15 -فانظر إلى نفسك ثم انتقل ... للعالم العلوي ثم السفلي [100 - 104]
[100] قوله: (فانظر ... ) الخ أي إذا أردت المعرفة فانظر .. إلخ لأن النظر وسيلة لها. والمأموم بالنظر كل مكلف، وأمره المصنف بالنظر إلى نفسه ابتداء لأنها أقرب الأشياء، ثم بالنظر إلى العالم العلوي لكونه أعظم وأبدع، ثم إلى العالم السفلي، وفي تقديم العالم العلوي على السفلي اقتداء بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] ولا تتوقف صحة النظر على هذا الترتيب، بل يصح أن ينظر إلى النفس، ثم إلى العالم السفلي، ثم العلوي، أو ينظر إلى العالم العلوي، ثم إلى السفلي، ثم إلى النفس، إلى غير ذلك من الصور الممكنة.
[101] النظر تعريفه:
والنظر: لغة الإبصار أي: إدراك الشيء بحاسة البصر والفكر، أي حركة النفس في المعقولات، أما في المحسوسات فتخيل، وعلم من ذلك أن النظر مشترك بين الإبصار والفكر، والمراد منه هنا الثاني وهو الفكر، فكأن المصنف قال: فتفكر ... إلخ، وأما عرفا فهو: ترتيب أمرين معلومين ليتوصل بترتيبهما إلى علم مجهول، كترتيب الصغرى مع الكبرى في قولنا: (العالم) متغير، وكل متغير حادث) فإنه موصل للعلم بحدوث العالم المجهول قبل ذلك الترتيب، وكترتيب الجنس مع الفصل في قولنا: (الإنسان حيوان ناطق) فالأول مثال للنظر في التصديقات، والثاني مثال للنظر في التصورات، ولا يرد على ذلك التعريف بالفصل وحده أو بالخاصة وحدها، كأن يقال: (الإنسان ناطق أو ضاحك) لأن فيه ترتيبا حكما لأن (ناطق) في قوة شيء ذو نطق، و (ضاحك) في قوة شيء ذو ضحك.
[102] قوله: (إلى نفسك) أي في أحوال ذاتك، فـ (إلى) بمعنى (في) لأن (انظر) بمعنى (تفكر) وهو يتعدى بفي، والمراد من النفس الذات لا الروح لأنه لا اطلاع لنا عليها، والكلام على تقدير مضاف كما قدرناه، لأن النظر في أحوالها أبدع من النظر في الذات من حيث هي ذات، والمراد بأحوالها: ما اشتملت عليه من سمع وبصر وكلام، وطول وعرض، وعمق، ورضا وغضب، وبياض وحمرة وسواد وعلم وجهل وإيمان وكفر ولذة وألم، وغير ذلك مما لا يحصى، وكلها متغيرة من عدم إلى وجود وبالعكس، فتكون حادثة وهي قائمة بالذات لازمة لها، وملازمة الحادث حادث، وذلك دليل الافتقار إلى صانع حكيم واجب الوجود عام العلم تام القدرة والإرادة، فتستدل بها على وجوب وجود صانعك وصفاته. وحاصله أن تقول: نفسي ملزومة لصفات حادثة، وكل ملزوم لصفات حادثة فهو حادث، وكل حادث لا بد له