لو لم يتصف بها لاتصف بضدها وهو نقص والنقص عليه تعالى محال، فوجب أن يتصف بها على ما يليق به من غير اتصال بالأجسام ومن غير وصول اللذات والآلام له تعالى.
[206] وقوله (أولا) أي: أو ليس له إدراك: أي صفة تسمى الإدراك كما ذهب إليه جمع، واستدلوا على ذلك بأنه لو اتصف تعالى بها لزم الاتصال بمحالها تلازما عقليا فلا يتصور انفكاكه، واللازم مستحيل في حقه تعالى، واستحالة اللازم وهو الاتصال توجب استحالة الملزوم وهو اتصافه تعالى بها، لكن الأولون لا يسلمون أن بين الاتصاف بها والاتصال بمحالها تلازما عقليا، لما تقدم من أنه يجعله عاديا ويقبل الانفكاك. ودعوى أنه تعالى لو لم يتصف بها لاتصف بها لاتصف بضدها فاسدة لمنافاة العلم الواجب له تعالى لذلك الضد، لأن علمه تعالى محيط بمتعلقاتها، فهو كاف عنها حيث لم يرد سمع ولا دل عليها فعله تعالى كخلق العالم، لأنه لا يتوقف عليها.
[207] وقوله: (خلف) أي: في جواب ذلك اختلاف، فهو مبتدأ خبره محذوف، وهذا الاختلاف مبني على اختلاف في دليل الصفات الثلاثة السابقة التي هي: الكلام، والسمع، والبصر، فمن أثبتها بالدليل العقلي - وهو أنها صفات كمال فلو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها وهي نقائص والنقص عليه تعالى محال أثبت هذه الصفة التي هي صفة الإدراك. ومن أثبتها بالدليل السمعي المتقدم: نفى الصفة المذكورة لأنه لم يرد بها سمع.
[207] وقوله: (عند قوم صح فيه الوقف) أي: وصح التوقف عن القول بإثبات الإدراك ونفيه عند قوم من المتكلمين كالمقترح وابن التلمساني وبعض المتأخرين لتعارض الأدلة، فهؤلاء القوم لا يجزمون بثبوت الإدراك كأهل القول الأول، ولا يجزمون بنفيه كأهل القول الثاني، وهذا القول أسلم وأصح من القولين الأولين، وكما اختلف في الإدراك اختلف في الكون مدركا والأصح الوقف عن ذلك.