[576] أجل المقتول
وأما اللوح المحفوظ نالحق قبول ما فيه للمحو والإثبات كصحف الملائكة، وبعضهم فسر أم الكتاب باللوح المحفوظ، لأنه ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه، والراجح الأول، وبالجملة فمختار أهل السنة أن كل مقتول ميت بانقضاء عمره وحضور أجله في الوقت الذي علم الله حصول موته فيه أزلا بخلقه تعالى من غير مدخلية للقاتل فيه، وإنما وجب عليه القصاص نظرا للكسب فقط، وعند أهل السنة أنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت فيه لأنه لا اطلاع لنا على ما في علم الله، فيحتمل أنه لو لم يقتل أن يموت في ذلك الوقت إن لم يكن عمره في علم الله أكثر من ذلك، ويحتمل أن لا يموت فيه إن كان عمره في علم الله أكثر من ذلك، وهذا التجويز ذاتي على فرض عدم قتله كما هو ظاهر، وإلا فقد بان بقتله أن الله علم موته في ذلك الوقت فلا خلف.
[577] قوله: (وغير هذا باطل لا يقبل) أي وغير ما ذكر من مذاهب المخالفين لأهل السنة غير مطابق للواقع لا يقبل عند العقلاء المتمسكين بالحق.
[578] وأشار المصنف بذلك للرد على أهل الاعتزال، فإن لهم مذاهب ثلاثة. الأول مذهب الكعبي: وهو أن المقتول ليس بميت، لأن القتل فعل العبد، والموت فعله تعالى، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: 158] فإن العطف يقتضي المغايرة، وأهل السنة يقولون المعنى: ولئن متم من غير سبب أو قتلتم بأن متّم بسبب، فعند الكعبي أن المقتول له أجلان: أجل بالقتل، وأجل بالموت، فلو لم يقتل لعاش إلى أجله بالموت.
والثاني: مذهب جمهورهم وهو أن القاتل قطع على المقتول أجله، فعندهم أن المقتول له أجل واحد وهو الوقت الذي علم الله موته فيه لولا القتل، فلو لم يقتل لعاش إليه قطعا.
والثالث: مذهب أبي الهذيل وهو أن المقتول أجله في ذلك الوقت فقط، فعنده أن المقتول له أجل واحد وهو الوقت الذي قتل فيه، فلو لم يقتل لمات بدل القتل قطعا، وبهذا التقرير ظهر الفرق بين مذاهب المعتزلة ومذهب أهل السنة فتدبر.