فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 338

وذهبت المعتزلة إلى أن العمل شطر من الإيمان، لأنهم يقولون بأنه العمل والنطق والاعتقاد، فمن ترك العمل فليس بمؤمن لفقد جزء من الإيمان وهو العمل، ولا كافر لوجود التصديق، فهو عندهم منزلة بين المنزلتين أي بين المؤمن والكافر ويخلد في النار ويعذب بأقل من عذاب الكافر، والخوارج يكفرون مرتكب الكبائر، وإنما كان المختار هو الأول لأن الإيمان في اللغة التصديق، فيستعمل شرعا في تصديق خاص، ولا دليل على نقله للثلاثة كما زعمه المعتزلة، وقد دلت النصوص على ثبوت الإيمان قبل الأوامر والنواهي، وعلى أن الإيمان والعمل الصالح متغايران، وعلى أن الإيمان والمعاصي يجتمعان، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] فإنه يفيد ثبوت الإيمان قبل الأمر بالصوم، وكقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25]

فإن أصل العطف للمغايرة، وكقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] بناء على أن المراد من الظلم المعصية فقد اقتضى بمفهومه اجتماع الإيمان مع الظلم بمعنى المعاصي على ما علمت، وقيل: إن المراد به الشرك، لما روي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) وعليه فمفهوم الآية من باب {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] فيكون المراد بالإيمان مطلق التصديق.

[122] قوله: (وقيل بل شطر) أي: وقال قوم محققون كالإمام أبي حنيفة وجماعة من الأشاعرة: (ليس الإقرار بالشهادتين شرطا بل هو شطر) فيكون الإيمان عند هؤلاء اسما لعملي القلب وللسان جميعا وهما التصديق والإقرار، واعترض على هذا القول بأن الإيمان يوجد في المعذور كالأخرس، والشيء لا يوجد بدون شطره. وأجيب عن ذلك بأنه ركن يحتمل السقوط كما فيمن ذكر. وأما التصدق فإنه ركن لا يحتمل السقوط وعلى هذا القول كالقول بأنه شرط صحة، فمن صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار في عمره لا مرة ولا أكثر من مرة مع القدرة على ذلك لا يكون مؤمنا لا عندنا ولا عند الله تعالى، وكل من القولين المذكورين ضعيف، والمعتمد أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وإلا فهو مؤمن عند الله تعالى كما مر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت