الحروف عبارة عن كلام الله، لأن العبارة نقل المعنى إلى المخاطب، وهي من عبور النهر، وهو النقول من أحد الجانبين إلى الجانب الآخر. فالمعبر ينقل بعبارته معنى كلامه إلى المخاطب، فاختص هذا النقل بالحرف لا بالمعنى. إنما المعنى منقول، فكان معنى هذه الحروف كلام الله تعالى. فمن قرأ القرآن أو كتابا آخر من كتب الله كانت قراءته حروفا وأصواتا، فأما مقروءه فهو كلام الله تعالى.
ثم لا شك أن الحروف مسموعة بالآذان محفوظة في القلوب مكتوبة في المصاحف مقروءة بالألسن، فكذلك يكون حكم المعنى، إذ لم يخل الحروف عن المعنى، وذلك المعنى كلام الله تعالى. فكان كلام الله تعالى محفوظا في القلوب مقروءا بالألسن مسموعا بالآذان مكتوبا في المصاحف. وإضافة القرآن إلى قول الرسول في قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 40] باعتبار قراءته القرآن لا باعتبار أنه أنشأ القرآن من ذات يقسم. والذي قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] ، عنده قاله بعد قراءتنا، إذ كلام الله تعالى معنى قائم بذات الله، لم يزل ولا يزال ولم ينفصل عن ذات الله، لأنه لا حلول للمعاني في الألفاظ، لكن اللفظ دال على المعنى، ينقل المعنى إلى السامع.
ولا يجوز أن يكون المعنى الذي ينتظم الحروف مخلوقا، لأنه حينئذ يصير اللفظ والمعنى عبارة عن كلام الله، والمعنى لا يكون