الفاعل من الفعل، فقد جوز وجود المحدث بلا حدث، ووجود الضارب بلا ضرب، وهذا لا يقوله عاقل. والذي يدل عليه أن الله عز وجل من علينا بما جعل لنا من السمع والأبصار والأفئدة كما قال: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ... } [النحل: 78] الآية. والامتنان يقع بالمحقق لا بالمجاز. ثم بين الحكمة في جعل ذلك فقال: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] ، ولا يستحق أحد الشكر على ما لا ينعم.
وقال قوم من القدرية: إن السمع والبصر معنيان، ولكنهم اختلفوا في فاعلهما ومحدثهما، فقال قوم: لا فاعل لهما ولا محدث لهما. وكذلك قالوا في سائر الحوادث التي تحدث عند حدوث الأفعال، وسموها متولدات، نحو ذهاب السهم عند الرمي، وذهاب الحجر عند الدفع، والإدراك عند فتح الفاتح بصره، والإصغاء بالأذن إلى الشيء، وأشباه ذلك. وإليه ذهب ثمامة بن الأشرس النميري زعيم المعتزلة في زمن المأمون الخليفة رضي الله عنه، وهوالذي قتله بنو خزاعة بمكة بين الصفا والمروة لأجل بدعته، ولأجل سعيه في قتل أبي أحمد الخزاعي المروزي.