…ولما كانَ الغلوُّ آفةً خطيرةً, وداءً فتَّاكًا مُسْتطيرًا,كانَ لزِامًا معالجتُهُ قبلَ تجرُّعِ عواقِبِهِ الوخيمةِ, والتألُّم ِمِنْ آثارِه الجسيمةِ, وتلكَ مسؤوليةٌ تقعُ علَى عاتِقِ الأفرادِ والمؤسساتِ. وأهمُّ طُرُقِ العلاجِ أنْ يُفْهَمَ الإسلامُ فهمًا صحيحًا في عُمومهِ وشُمولهِ, بحكمتِهِ ورحمتِهِ, بواقعيَّتِهِ ومثاليَّتِهِ, بمنأَى عَنِ الأهواءِ والأغراضِ الذاتيَّةِ, وبعيدًا عَنِ التعصُّبِ المقِيتِ, والجَهْلِ المُُمِيتِ وأنْ نسلكَ مسلَكَ الوسطِيَّةِ والاعتدالِ, ونُنَفِّرَ مِنَ الغلوِّ والتشدُّدِ, وأنْ نتَّبِعَ منهجَ الحِوَارِ, كما يَلْزَمُنا الرجوعُ في المسائلِ المشْكِلاتِ والنوازِلِ المدْلَهِمَّاتِ إلى أهلِ العلمِ الذين أمرَنا اللهُ سبحانَه وتعالَى جميعًا بالرجوعِ إليهم قائلًا: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } { الأنبياء:7 } . والأُمَّةُ في سفينةٍ واحدةٍ إنْ تَغْرَقْ غَرِقُوا جميعًا, وإنْ تَنْجُ نَجَوْا جميعًا, وهذا مِمَّا أوصانا بهِ ربُّنا عزَّ وجلَّ بقولِه: { وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } { العصر } ، كما أنَّ العِلْمَ بالغلوِّ وإفسادِه للدينِ والدُّنيا وسيلةٌ لتلافِي آثارِه, والتَّنَزُّهِ عَنْ نتائِجِه وأخطارِهِ, عَنْ أنس - رضي الله عنه - أنَّه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -"إنَّ هذا الدِّينَ متينٌ فأوغِلوا فيهِ برِفْقٍ" [أخرجَه أحمدُ] . كما أنَّ صاحبَ الغُلوِّ محرومٌ يومَ الدِّينِ؛ مِنْ شفاعَةِ سيِّدِ المرسلينَ, فعَنْ أبي أُمامةَ الباهليِّ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"صِنْفانِ مِنْ أُمَّتِي لن تنالَهما شفاعَتِي: إمامٌ ظَلومٌ غَشومٌ, وكل غالٍ مارقٍ" [أخرجَه الطبراني] .فاحرِصوا - رحِمَكمُ