فهرس الكتاب

الصفحة 1232 من 2086

اطبع هذه الصحفة

الإسراف والتبذير

معشرَ الأحبَّةِ

ولا يخفَى أنَّ الإسرافَ والتبذيرَ قدْ تعدَّدَتْ مظاهِرُهما، وتنوَّعَتْ أشكالُهما إذْ كادا أنْ يَعُمَّا حياةَ المجتمَعاتِ والأفرادِ، وُيفْسِدا حياةَ العِبادِ والبلادِ، ويُنَكِّدَا عَيْشَهم. ومِنْ وجوهِ الإسرافِ والتبذيرِ ومظاهِرِهما التي عَمَّتْ: الإسرافُ في المآكِلِ والمشارِبِ خصوصًا في المناسباتِ بحيثُ تُوضَعُ أطْعِمَةٌ كثيرةٌ وأشْرِبَةٌ مُتنوِّعَةٌ ثُمَّ ينفَضُّ الناسُ عَنْ أكثرِها تاركينَ سبيلَها إلى حاوِيَاتِ النُّفَاياتِ، وأُمَمٌ كثيرةٌ يموتونَ جوعًا لا يجدونَ ما يَسُدُّ رمَقَهم أوْ يدْفَعُ جوعَهم.قالَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ - رضي الله عنه:"إنِّي لأُبْغَضُ أهلَ بيتٍ يُنفقونَ رِزْقَ أيَّامٍ في يومٍ واحدٍ". و قدْ نهَى الشرعُ عَنْ ذلكَ حِفاظًا علَى المالِ مِنَ التبذيرِ، وخَوْفًا علَى جسمِ الإنسانِ مِنَ التُّخَمَةِ وصِحَّتِهِ مِنَ الأمراضِ. قالَ اللهُ تعالَى: { وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } { الأعراف: 31 } ، قالَ بعضُ السَّلَفِ: جمعَ اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ الطِّبَّ كُلَّه في نِصْفِ هذهِ الآيةِ. ولمَّا كانَ الإفْراطُ في الطعامِ ضارًّا ببدنِ الإنسانِ ومالِهِ وصحتِهِ فقَدْ نهَى عَنْه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذْ روَى المِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ - رضي الله عنه - فقالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:"ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالَةَ فُثلُثٌ لطعامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ" [أخرجَه أحمدُ والترمذيُّ] ، وبالغَ أُناسٌ في المراكِبِ والمساكِنِ والملابِسِ وتسابَقوا فيها، وربَّما كلَّفوا أنفسَهم ما لا يُطيقونَ، وتحمَّلوا مِنَ الديونِ ما لا يستطيعونَ؛ حتَّى أرهَقوا أنفسَهم وشغَلوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت