واعْلَموا أنَّ مِنْ أزواجِ خيرِ الأنامِ ـ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ـ مَنْ وُلِدَتْ في بَيْتِ التُّقَى والتَّصْدِيقِ، عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضِيَ اللهُ عَنْهما، تَرَعْرَعَتْ في بَيْتِ عِلْمٍ، مَنَحَها اللهُ ذَكاءً مُتَدَفِّقًا، وحِفْظًا ثاقِبًا، قالَ ابنُ كثيرٍ رحمَهُ اللهُ: لَمْ يكنْ في الأُمَمِ مِثْلُُ عائشةَ في حِفْظِها وعِلْمِها وفَصاحَتِها وعَقْلِها، رُزِقَتْ في الفِقْهِ فَهْمًا، وفي الشِّعْرِ حِفْظًا، وكانَتْ لعلومِ الشريعةِ وِعاءً، يقولُ الذَّهَبِيُّ رحمَهُ اللهُ: أفْقَهُ نساءِ الأُمَّةِ علَى الإطلاقِ، ولا أعْلَمُ في أُمَّةِ محمدٍ بَلْ ولا في النساءِ مطلقًا امرأةً أعْلَمَ مِنْها. سَمَتْ علَى النساءِ بفضائِلِها وجَميلِ عِشْرَتِها، يقولُ المصطفَى - صلى الله عليه وسلم:"فَضْلُ عائشةَ علَى النساءِ كفَضْلِ الثَّريدِ علَى سائِرِ الطعامِ" [متفقٌ عليه مِنْ حديثِ أنسٍ - رضي الله عنه -] ، واعْلَموا أنَّ اللهَ يَبْتَلِي مَنْ يُحِبُّ، والابتلاءُ علَى قَدْرِ الإيمانِ في القلْبِ، بُهِتَتْ بالإفْكِ المبُينِ وعُمْرُها اثنا عشَرَ عامًا، قالَتْ: فبكَيْتُ حتىَّ لا أكْتَحِلَ بنومٍ، ولا يَرْقَأَ لي دَمْعٌ، حتَّى ظَنَّ أبوايَ أنَّ البكاءَ فالِقٌ كَبدِي. واشتَدَّ بها البلاءُ حتَّى قَلَصَ دَمْعُها، فلا تَحُسُّ مِنْه قَطْرةً، قالَ ابنُ كثيرٍ رحمَهُ اللهُ: فغارَ اللهُ لها، وأنزلَ براءَتَها في عَشْرِ آياتٍ تُتْلَى علَى الزَّمانِ، فسَما ذِكْرُها، وعَلا شأْنُها، لِتسمَعَ عفافَها وهيَ في صِباها، فشهِدَ لها بأنَّها مِنَ الطيِّباتِ، ووعَدَها بمغفرةٍ ورزقٍ كريمٍ. لَمْ تَزلْ ساهِرَةً علَى نبيِّنا، تُمَرِّضُهُ وتقومُ بخِدْمَتِهِ، حتَّى تُوُفِّيَ في بيتِها وليلَتِها، وبينَ سَحْرِها ونَحْرِها.
أيُّها الإخوةُ المؤمنونَ: