إنَّ العاقِلَ الذي يَلْمَحُ المآلاتِ ويُراقِبُ، ويعمَلُ بمقتَضَى المصالِحِ والعواقِبِ: هوَ الذي يُقاوِمُ الهوَى فَيَرُدُّ جيشَهُ مَفْلولًا، ويستعينُ بالصبرِ حتَّى يظْفرَ علَى نفسِهِ الأمارةِ بالسُّوءِ بعْدَ أنْ كانَ بسهامِها مَقْتولًا، ويشُدُّ أزْرَ العزْمِ لِيَسْتَوِيَ علَى سُوقِهِ علَى التحقيقِ، وَيَلْبَسُ لَأْمَةَ الحزْمِ حتَّى يحْظَى مِنَ اللهِ تعالَى بالتوفيقِ، فحينئذٍ يَستجْلِبُ ما يَزِينُ، ويَنْفِي ما يَشِينُ، ويأتَمِرُ بالفضائِلِ، وينْزَجِرُ عَنِ الرذائِلِ، فإذا اقترَبَ مِنْ هذا العاقِلِ جنودُ الهوَى ودَنَوْا مِنْه: فإنَّه يأْسِرُهم في حَبْسِ"مَنْ ترَكَ شيئًا للهِ عَوَّضَهُ اللهُ خيرًا مِنْه".
قالَ أميرُ المؤمنينَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ - رضي الله عنه:"واللهِ؛ لقَدْ سبَقَ إلى جنَّاتِ عَدْنٍ أقوامٌ، ما كانوا بأكثرِ الناسِ صَلاةً ولا صِيامًا ولا حَجًّا ولا اعْتِمارًا، ولكنَّهم عَقَلوا عَنِ اللهِ مَواعِظَهُ، فَوَجِلَتْ قُلوبُهم، واطمأَنَّتْ إليهِ النفوسُ، وخَشَعَتْ مِنْهُمُ الجوارِحُ، فَفاقُوا الخَلِيقَةَ بطيبِ المنْزِلَةِ، وبحُسْنِ الدرجَةِ عِنْدَ الناسِ في الدنيا، وعِنْدَ اللهِ عزَّ وجلَّ في الآخِرَةِ".وتأَمَّلوا مَعْشرَ الورَى؛ في قَوْلِ الموْلَى: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } { النور:30 } فجعلَ اللهُ تبارَكَ وتعالَى زكاةَ النفوسِ والأرْواحِ؛ عِوَضًا عَنْ غَضِّ البصَرِ عَنِ الحرامِ وحِفْظِ الفرْجِ عَنِ السِّفاحِ، هَذا مَعَ استراحَةِ الفؤادِ؛ مِنْ كُلْفَةِ طَلَبِ المرُادِ، لأنَّ مَنْ أطلَقَ اللحَظاتِ، دامَتْ له الحسَراتُ، كما قِيلَ:
……… وكنْتَ مَتَى أرسَلْتَ طَرْفَكَ رائدًا لقلبِكَ يومًا أتعبَتْكَ المناظِرُ