إنَّ السَّعيدَ مَنِ اقتبسَ مِنْ هذِهِ الآدابِ، وقدَّمَ بْينَ يَدَيْ دُعائِهِ هذهِ الأسبابَ، فهَذا الذِي تُرْجَى له بإذْنِ اللهِ تعالَى الإجابَةُ، وأنْ يُفَرِّجَ عَنْه ربُّهُ عزَّ وجلَّ ما أصابَهُ، قالَ الحسنُ البصريُّ رحمَهُ اللهُ تعالَى:"كانَ رجلٌ مِنْ أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الأنصارِ يُكَنَّى: أبا مِعْلَقٍ، وكانَ تاجِرًا يتَّجِرُ بمالٍ له ولِغَيْرِهِ يَضْرِبُ بهِ في الآفاقِ، وكانَ ناسِكًا وَرِعًا، فخرَجَ مَرَّةً فلَقِيَهُ لصٌّ مُقَنَّعٌ في السِّلاحِ، فقالَ له: ضَعْ ما معَكَ؛ فإنِّي قاتِلُكَ. قالَ: ما تُريدُ إلى دَميِ؟ شَأْنُكَ بالمالِ. قالَ: أمَّا المالُ فَلِي، ولسْتُ أريدُ إلاّ دَمَكَ. قالَ: أمّا إذا أَبَيْتَ؛ فَذَرْنِي أُصَلِّي أرْبعَ رَكَعاتٍ. قالَ: صلِّ ما بَدا لكَ. فتَوضَّأَ ثمَّ صلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فكانَ مِنْ دُعائِهِ في آخِرِ سَجْدَةٍ أنْ قالَ: يا وَدُودُ؛ يا ذا العَرْشِ المجيدِ؛ يافَعَّالُ لما يُريدُ: أسألُكَ بعِزِّكَ الذي لا يُرامُ؛ وبمُلْكِكَ الذي لا يُضامُ؛ وبنورِكَ الذي مَلأ أركانَ عَرْشِكَ: أنْ تَكْفِيَنِي شرَّ هذا اللصِّ، يا مُغيثُ أغِثْنِي، يا مُغيثُ أغِثْنِي، يا مُغيثُ أغِثْنِي، فإذا هوَ بفارِسٍ قَدْ أقبلَ بيدِهِ حَرْبةٌ واضِعُها بَيْنَ أُذُنَيْ فَرَسِهِ، فلمَّا بَصَرَ بهِ اللصُّ: أقْبَلَ نَحْوَهُ فطَعَنَهُ - أيْ: الفارسُ- فقَتَلَه، ثم أقْبَلَ إليه فقالَ: قُمْ. قالَ: مَنْ أنْتَ بأبي أنتَ وأُمِّي؟ فقَدْ أغاثَنِي اللهُ بِكَ اليومَ. قالَ: أنا مَلَكٌ مِنْ أهْلِ السَّماءِ الرَّابِعَةِ، دَعَوْتَ بدعائِكَ الأوَّلِ، فسَمِعْتُ لأبوابِ السَّماءِ قَعْقَعَةً، ثم دعوتَ بدعائِكَ الثَّاني فسَمِعْتُ لأهل السَّماء ضَجَّةً، ثم دعوتَ بدعائك الثَّالثِ فقيلَ لي: دعاءُ مَكْروبٍ، فسألتُ اللهَ تعالَى أنْ يُوَلِّيَنِي قَتْلَهُ، قالَ الحسَنُ: فاعْلَمْ"