أمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ - أيُّهَا النَّاسُ ونَفْسِي- بتقوَى اللهِ العظيمِ وحُسْنِ مُنَاجَاتِهِ، وإعْدَادِ العُدَّةِ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُلاقَاتِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } { البقرة: 281 } .
أَيُّهَا المسْلِمُونَ:
الورَعُ في الدِّينِ مِنْ خِصَالِ المتَّقِينَ، وأَماراتِ القُرْبِ مِنْ رَبِّ العالَمِينَ، وهُوَ آيَةٌ عَلَى صِدْقِ مُراقَبَةِ العَبْدِ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى، والورَعُ فِي أَصْلِهِ هُوَ الكَفُّ عَنِ الْمحَارِمِ وَالتَّحَرُّجُ مِنْها، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْكَفِّ عَنِ التَّوَسُّعِ في المُباحِ وَالْحَلالِ، لأنَّ الشَّأْنَ في ذَلِكَ التَّوَسُّعِ أَنْ يَجُرَّ إلى الوُقُوعِ فيما حَرَّمَ اللهُ؛ إذِ النَّفْسُ طَامِعَةٌ إذا أَطْمَعْتَهَا؛ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ -رضِيَ اللهُ عَنْهما- قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ? يقولُ: «إنَّ الحَلاَلَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبَهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ، ألاَ وَإنَّ لكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً، ألاَ وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ» [أخرجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ] ،وعَنْ أنسٍ - رضي الله عنه -أنَّ النبيَّ ? وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: «لَوْلاَ أنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا» [متفقٌ عَلَيْهِ] .