ألا وإن من أهم هذه الخصائص التي امتاز بها هذا الدين عن بقية الأديان والنظم: سمة الوسطية والاعتدال، التي كان لها الدور البارز في إحلال هذه الأمة محلها الأسمى في قيادة البشرية والشهادة عليها، يقول الحق جل وعلا {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (البقرة 143) .
إخوة الإيمان:
إذا كانت تلك هي منزلة الوسطية في كتاب الله، وقد بدت السبب الأسمى في بلوغ هذه الأمة لتلك المنزلة السامقة، منزلة الشهادة على الناس، وقيادة الأمم، فما هي الوسطية؟ وما معناها في كتاب الله؟
إن الوسطية -عباد الله- وكما قال المفسرون لا تخرج عن معنيين مشهورين يؤديان معنى واحدًا أولهما: (وسطًا) أي خيارًا عدولًا ومن ذلك قول الشاعر القديم:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
وهو قول جمهور المفسرين ورجحه ابن جرير وابن كثير رحمهما الله.
والثاني: أنهم وسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وجاء هذا في سياق الامتنان على هذه الأمة.