…وبالخروجِ مِنَ البلادِ ومُفارقَةِ الأَهلِ والأَوطانِ، والتوجُّهِ إلى اللهِ في زُمْرَةِ الزائرينَ ورَكْبِ السائرينَ: مُجَاهدةٌ للنفسِ في النَّأْيِ عَنْ دِيارِهِ، والصبرِ على لَظَى شَوْقِهِ ونارِهِ، وتعظيمٌ لِلبلدِ الأمينِ وفيهِ تَشَبُّهٌ بالسَّفَرِ إلى الدارِ الآخرةِ. وفي تَجرُّدِ الحاجِّ مِنَ اللباسِ وتخلِّيهِ عَنِ الزِّينةِ وتمسُّحِهِ بِالطيبِ تذكيرٌ بحالِهِ إذا مَاتَ ولُفَّ بأثوابِ الكفَنِ وطُيِّبَ بِالحَنُوط، وفيهِ إشارةٌ إلى التواضُعِ ونَبْذِ الكِبْرياءِ إِذِ الُكلُّ في إِزَارٍ ورِدَاءٍ؛ فكَمَا لا يَلْقَى بيتَ اللهِ إلَّا مخالِفًا عادَتهُ فِي اللباسِ والهَيْئَةِ؛ فلَا يَلْقَى اللهَ بعدَ الموتِ إلا في زِيٍّ مخالِفٍ لِزِيِّ الدنيا { إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) } [مريم 93-95] ، وحَادِي الأرواحِ والقلوبِ يَحْدُوه:
وَانْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدنيا بِأَجْمَعِهَا هَلْ رَاحَ مِنْها بِغيِر القُطْنِ والكفَنِ
…وَفيِ التلبيةِ"لَبَّيكَ اللهمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لا شَرِيكَ لكَ لَبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنَّعمةَ لكَ والمُلْكَ لا شريكَ لكَ"، إظهارٌ للتوحيدِ والعبُوديَّةِ، ونَفْيٌ لِلشِّركِ والوثنيَّةِ، ونقضٌ لِمَا كانَ عليهِ أهلُ الجاهليَّة مِنَ الإهلالِ للأصنامِ والأوثَانِ، وعبادةِ غيرِ الرحمنِ، وفِي الطوافِ بالبيتِ الحرَامِ تعظيمٌ لِشَعائِرِ اللهِ فلَا طوافَ بِأحجارٍ ولَا أشْجارٍ ولا أضرحةٍ في أي مكانٍ على وجهِ المعمورةِ { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } [ الحج: 29] .