…الحمدُ للهِ المستحقِ للحمدِ والثناءِ، لاتِّصافهِ بالعظمةِ والكبرياءِ، وتوحدهِ بالإماتةِ والإحياءِ، كتبَ على كلِّ نفسٍ الموتَ والفناءَ، وتفرَّدَ سبحانَهُ بالحياةِ والبقاءِ، فلا رادَّ لأمرِهِ يحكمُ ما يريدُ ويفعلُ ما يشاءُ، أحمَدُ ربِيَ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيهِ؛ وهو المحمودُ على السراءِ والضراءِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لَهُ من الأمثالِ والشركاءِ والنُّظَراءِ، وأشهدُ أنَّ نبينَا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ أفضلُ الرسلِ وخَاتَمُ الأنبياءِ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وأزواجهِ وأصحابهِ البررةِ الأتقياءِ.
…أمَّا بعدُ:
…فأُوصِيكُم معشرَ المسلمينَ ونفْسِيَ بتَقْوَى الموْلَى، فتزودَوُا بِهَا لأُخْرَاكُم { فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } [البقرة:197] .
إِذَا أنْتَ لَمْ تَرْحَل بِزَادٍ مِنَ التُّقَى ولاقَيْتَ بَعْدَ الموتِ مَنْ قَدْ تََزوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لا تَكُونَ كِمثْلِهِ وَأَنَّكَ لَمْ تُرْصِدْ كَمَا كَانَ أَرْصَدَا
…واعْلَمُوا رحمني اللهُ وإياكُم أَنَّ الخلقَ - لا ريبَ - مِنْ كأْسِ المنونِ مرتشفونَ، { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } [العنكبوت:57] .
…ولكِنْ شَتاَّنَ مَا بَيْنَ مَنْ هُوَ باقٍ بجسدهِ فانٍ بذكرهِ، وبينَ مَنْ هُوَ باقٍ بذكرهِ فانٍ في قبرهِ، فالذكرُ الجميلُ؛ والعملُ الجليلُ: عمرٌ ثانٍ للإنسانِ بعدَ الرحيلِ.
إِذَا عَرَفََ الإنسانُ أخبارَ مَنْ مَضَى تَوَهَّمْتُهُ قَدْ عَاشَ فِي أَوَّلِ الدَّهرِ
وتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخِرَ دَهْرِهِ إلى الحشرِ إنْ أَبْقَى الجميلَ مِنَ الذِّكْرِ
فَقَدْ عَاشَ كُلَ الدهرِ مَنْ كَانَ عالمًا كريمًا حليمًا فاغْتَنِمْ أَطْوَلَ العمرِ