فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 2086

…والتوكُّلُ على اللهِ لا يَعْنِي تركَ الأسبابِ وقَطْعَ الصِّلَةِ بها، بَلْ إِنَّ الأخذَ بالأسبابِ مَعَ تفويضِ أمرِ النجاح ِإلى اللهِ سبحاَنه هوَ مِنَ التوكُّلِ المأمورِ بِهِ؛ إذْ تَرْكُ الأسبابِ وَالقُعُودُ عنْها تَوَاكُلٌ وليسَ مِنَ التوكُّلِ في شيءٍ، فَقَدْ روَى أنسُ بنُ مالكٍ - رضي الله عنه - وجعفرُ بنُ عمرِو بنِ أميَّةَ عَنْ أبيهِ أنَّ رجلا ً قالَ: يا رسولَ اللهِ أُرسِلُ ناقِتي وأتوَكَّلُ؟ قالَ:"اعْقِلْها وتَوَكَّلْ" [أخرجَهُ الترمذيُّ والحاكمُ والبيهقيُّ] . فالنبيُّ- صلى الله عليه وسلم: أمرَهُ أَنْ يأخُذَ بالأسبابِ بِأَنْ يَعْقِلَ ناقَتهُ ولا يترُكَهَا مُرْسَلَةً؛ لأنَّ في إرسالِها إِبْطالا ً لِلأسبابِ وهوَ عَجْزٌ أوْ تواكُلٌ لا توكُّلٌ. بَيْدَ أنَّ المؤمنَ حِينَ يأخُذُ بالأسبابِ لا يركَنُ إليها ولا يعتمدُ عليها بَلْ يأخُذُ بِها ويَعتمِدُ على مُسبِّبِها عزَّ وجلَّ، فيكونُ حالُ قلبِهِ قيامُهُ باللهِ لا بالأسبِابِ وحالُ بدنِهِ قيامُهُ بالأسباب.ِ وسيِّدُ المتوكِّلينَ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُهْمِلِ الأَخْذَ بِالأسبابِ والسعيَ في تحصيلِها؛ فقَدِ اختفَى في الغارِ عَنْ أعْيُنِ الكُفارِ حتَّى إنَّ أبا بكرٍ - رضي الله عنه - قالَ له - وهُوَ يرَى أقدامَ المشركينَ -: يا رسولَ اللهِ لَوْ أنَّ أَحدَهم نظَرَ تَحْتَ قدمَيْهِ لأبْصَرَنا فقالَ لهُ إمامُ المتوكِّلِينَ:"ما ظَنُّكَ يا أبا بكرٍ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما" [متفقٌ عليهِ] . وكذلِكَ اتَّخَذَ دليلًا ماهِرًا يدلُّهُ إلى المدينةِ، وتعاطَى الدواءَ المُبَاحَ وأمرَ بهِ، وظَاهَرَ في بعضِ غَزَواتِهِ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وأمرَ بإغلاقِ الأبوابِ وتغطيةِ الآنيةِ وإطفاءِ النارِ عِنْدَ المَبِيتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت