هذا في مجالِ العلمِ والتَّحصيلِ، وأمَّا في مجالِ التَّطبيقِ والعَمَلِ، فشيءٌ يفوقُ ذلكَ، فَقَدْ قِيلَ لنافعٍ:"ما كانَ يصنعُ ابنُ عُمَرَ في منزلِهِ"؟قال:"الوُضوءَ لكلِّ صلاةٍ، والمصحفَ فيما بينَهما""وكانَ ابنُ عمرَ- رضيَ اللهُ عنهما - إذا فاتَتْهُ صلاةُ الجماعةِ صامَ يومًا، وأَحْيا ليلةً، وأعتقَ رقبةً"، واجتهدَ أبو مُوسَى الأشعريُّ - رضي الله عنه - قبلَ موتِهِ اجتهادًا شديدًا، فقيلَ لَهُ:"لو أَمْسَكْتَ أَوْ رَفِقْتَ بنفسِكَ بَعْضَ الرِّفْقِ؟"فقالَ:"إنَّ الخيْلَ إذا أُرْسِلَتْ فقارَبَتْ رأسَ مَجراها أَخْرَجَتْ جميعَ ما عندَها، والَّذي بَقِيَ مِنْ أجلِي أقلُّ مِنْ ذلكَ"قيلَ:"فلَمْ يَزِلْْ على ذلكَ حتَّى ماتَ".
أتباعَ سيِّدِ المرسلينَ:
وأمَّّا في الجِهادِ، ومقارعةِ أربابِ الكُفْرِ والفسادِ، فكانوا شُمُوسًا ساطعةً، ونُجُومًا لامِعةً، فهذَا المِقْدادُ بنُ الأسودِ - رضي الله عنه - يقولُ: لَمَّا استشارَهُ النَّبيُّ في قتالِ يومِ بدرٍ:"يا رسولَ اللهِ اِمضِ لِمَا أراكَ اللهُ فنحنُ معكَ، واللهِ لا نقولُ لكَ كَمَا قالَ بنُو إسرائيلَ لِمُوسى:"اِذهبْ أنتَ وربُّكَ فقاتِلا إنَّا هَهُنا قاعدونَ"ولكنْ اِذهبْ أنتَ وربُّكَ فقاتِلا إنَّا مَعَكُما مُقاتِلونَ".
هَذَا وَقَدْ كَتَبَ الإمامُ المجاهدُ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ إلى الفُضَيلِ بنِ عياضٍ رَحِمَهما اللهُ:
يا عابدَ الحَرَمَيْنِ لَْو أبصرْتَنَا … لَعَلِمْتَ أنَّكَ في العِبادَةِ تَلْعَبُ
مَنْ كانَ يَخْضِبُ خدَّهُ بدُمُوعِهِ … فنحورُنا بدمائِنا تتَخَضَّبُ
أَوْ كانَ يُتْعِبُ خيلَهُ في باطلٍ… فخيولُنا يومَ الصَّبيحةِ تَتْعَبُ
رِيحُ العبيرِ لكمْ ونحنُ عبيرُنا … رَهَجُ السَّنابِكِ والغُبَارُ الأطيبُ
وَلَقَدْ أتانا مِنْ مَقالِ نبيِّنا … قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يَكْذِبُ
لا يستوِي وغُبارُ خيلِ اللهِ في أنْفِ امْرئٍ ودُخانُ نارٍ تَلْهَبُ