فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 2255

1-تشويه الحقائق الفكرية: إذا كانت العلمانية قد عجزت عن الوصول إلى حقيقة فكرية واحدة واقتنعت بأنه لا يوجد شيء اسمه علم فكري ، فإن هذا لم يمنعها من تشويه كل شيء بما في ذلك الحقائق الفكرية التي جاءت بها الأديان السماوية ، فكل شيء يستطيع العقل العلماني تشويهه حتى آراء ونظريات العلمانيين وفلاسفتهم وصحيح أن هناك تعارض بين حقائق العلم المادي وبعض اجتهادات رجال الدين المسيحي ، أو التحريف الذي حدث للمسيحية ولقد استغلت العلمانية هذه الأمور التي ليست أصلًا من الدين ، وقامت بتشويه كل ما في المسيحية والإسلام وقالت العلمانية إن الاختلاف بين الإسلام والمسيحية يفرض علينا اتخاذ البديل العلماني في الحكم ، وإن اختلافهما يجعلنا نرفضهما ونقول إن التشابه بين الإسلام والمسيحية كبير لدرجة كبيرة ، وكان على العلمانيين أن يعتبروا هذا التشابه حقائق فكرية مشتركة بين البشر حتى يزيد حجم الاتفاق بينهم ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك ، ولم يحاولوا أن يفهموا طبيعة الاختلاف ، وأنه جاء لأسباب مختلفة لعل من أهمها حدوث تحريف جزئي للمسيحية ، ففي الإسلام ذكر لعيسى وأنه نبي ، وتوجد سورة كاملة باسم مريم ، وفيه ذكر كثير لموسى وإبراهيم عليهما السلام ، وفيه آيات تبين أن أقرب الناس للمسلمين هم المسيحيون ، وجعل لهم معاملة مميزة وعاش المسيحيون قرونًا كثيرة في وسط إسلامي لا يعاديهم ولا يضطهدهم وإذا حصل ظلم أحيانًا لهم فهذا جزء من الظلم الذي يقع على جميع الشعب بمختلف فئاته الطائفية أو العرقية أو الطبقية ، فحتى الملتزمين بالإسلام يتعرضون داخل الشعوب الإسلامية إلى ظلم ، فقد قتل بعض علماء المسلمين وسُجن بعضهم واضطُهد آخرون وبمرور سريع على التشابه الموجود نجد إن الإسلام والمسيحية متفقان على وجود الله سبحانه وتعالى ، ووجوب عبادته وطاعته ، واتباع الأنبياء والعلماء ، وبر الوالدين والزهد في الدنيا والبعد عن الزنى والتبذير والعصبيات العرقية ... الخ وإذا سلطنا الأضواء على العالم الغربي لوجدناه بعيدًا عن الله سبحانه وتعالى ورسله وكتبه وعلماء الأديان السماوية ولوجدناه غارقًا في الشهوات وحب الدنيا والمال والمظاهر والتعصب القومي والوطني .

ومن أهم صفات العلمانية أن لها قدرة عجيبة على التشويه بمعنى إذا تبرعت لفقير قالت

هذا تشجيع له على الكسل ، وإذا طبقت دولة عقوبة الإعدام على القاتل قالت هذه عقوبة قاسية ، وأيضًا إذا حكمت عليه بعشرين سنة سجن ، قالت هذه عقوبة متساهلة لن تردع الإجرام ، وهكذا ، وكان المفروض أن ترفض العلمانية فقط ما ثبت بالعلم المادي أنه خطأ لا أن ترفض الدين كله ، وتعتبر كل ما يقوله خطأ ، وما فعلته العلمانية من فصل الدين عن السياسة وعن الحياة هو فعلًا فصل للحقائق الفكرية عن الحياة والسياسة ، وفتح المجال لمختلف الآراء والعقائد لتختلف وتتصارع ، وهي عقائد الجهل والضلال والضعف والعلمانية بتركيبتها ومفاهيمها عقيدة ضعيفة نجحت جزئيًا في عزل الدين ، ولكنها لم تنجح في عزل أو إضعاف عقائد كثيرة منحرفة ولعل أوضح مثال النازية والشيوعية فالأولى سقطت عسكريًا والثانية سقطت لأنها فاشلة جدًا ، وليس"بقوة العلمانية الرأسمالية وحججها الفكرية القوية"، أما بقاء الرأسمالية الغربية فذلك لأنها أسوأ الموجود ، فالجهل الفكري الذي توارثه البعض عن الأباء والأجداد بقي ، والعصبيات العرقية العنصرية موجودة حتى في أمريكا حيث البيض والسود ، ومن جعل همه المال والجنس أو المنصب لا يوجد في الصيدلية العلمانية دواء يثبت خطأه ومن هو عاطفي وخيالي لا يوجد في العلمانية فكر قادر على إقناعه ، بل العكس صحيح ، أي أنه سيجد كل منحرف في العلمانية وتناقضاتها ما يؤيد رأيه ، أو يقول أنا أتبع عقلي وهو الذي أوصلني أو أنا حر وكل هذه مفاهيم علمانية أعطت للجهل قوة في تبرير الانحرافات والجهل .

2)الجميع علماء: جرأت العلمانية الناس على العلم الفكري ، فليس هناك علم فكري ، وليست هناك طريقة للوصول إليه ، ولا مراجع وكتب يعتمد عليها ، ومُعترف بها ، وهذا يعني أن كل إنسان قادر على أن يتكلم في العلم الفكري ، بل ويجادل بلا شهادة ولا تزكية ولا حتى قراءة وبحث ، وما دام عندنا قاعدة تقول ( كل بعقله راض ) فإن إصرار كل فرد على رأيه شيء متوقع وفي نفس الوقت لا يوجد مرجع أو عالم علماني قادر على تفنيد الآراء ، وبيان الصواب من الخطأ ، فالعلمانيون الكبار متعارضون ومتناقضون ، وأصبح العلم الفكري هو العلم الوحيد الذي يُتكلم فيه بلا ضوابط ، ولا حتى حد أدنى من الأمور المتفق عليها ، بل أصبح كل مثقف عادي قادر على كتابة فلسفة جديدة ، فإذا رأى أن المال أهم شيء عمل له فلسفة ومبدأ فكريًا وإذا اقتنع بأهمية العلاقات الاجتماعية عمل لها مبدأ فكريًا ، وتكلم

العاقل والمجنون والذكي والغبي وأصبح عندنا منهج كامل اسمه ما رأيك الشخصي في هذه القضية سواء كانت عقائدية ، أو اجتماعية أو اقتصادية ، ونحن لا نريد أن نسمع آراء شخصية بعدد سكان الكرة الأرضية نحن نريد أن نعرف الحقائق الفكرية لأنها تفيدنا ، ولا نريد أن نسمع آراء كثيرة متناقضة لا نعرف منها ما هو صحيح وما هو خاطئ ، أي ما يفيدنا وما يضرنا ، فارحمونا من هذا الجهل الكبير ، ومن البديهيات التي يعرفها البشر أن العلم والعلماء والقرب منهم هو نور وهداية وفي العلمانية لا يُوجد علم ولا علماء ، فكيف سنتعلم ؟ ما سنفعله هو الاستماع للأراء والخرافات الشخصية فهذا الفيلسوف يعتقد أن الأسرة يجب تدميرها ، والثاني لا يرى ضرورة للزواج ، والثالث يرى أن التعامل مع البشر هو فقط بالقوة والشر ، وأن الخير حالة استثنائية الخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت