فهرس الكتاب

الصفحة 1023 من 2255

الجاهل لأن عقيدته نابعة من الظن والشبهات أو الهوى والعناد، وكان المسلمون ولازالوا يطلقون كلمة العلم وأهل العلم على القرآن والسنة، وعلماء الإسلام، أما أهل العلمانية فاعتبروا العلماء هم فقط أهل العلم المادي أما في الجانب الفكري فلبس عندهم علم لان أرائهم متناقضة، ومع هذا عندهم مفكرون"علماء"، وهذا تناقض قال الدكتور عبد الحليم عويس"وحسبنا أن نشير إلى أن كلمة"علم"بتصريفاتها المختلفة قد وردت في القرآن أكثر من سبعمائة وخمسين آية" (1) أما بالنسبة للعلم المادي من كيمياء وطب وزراعة وصناعة فقد كان موقف الإسلام مشجعا له قال الرسول صلى الله عليه وسلم"أنتم أعلم بشؤون دنياكم"ودعا الإسلام إلى العمل وإعداد ما أستطعنا من قوة في الحرب وغيرها، واهتم المسلمون بعلوم الفلك وصناعة السفن وصناعة الأقمشة وعلوم الزراعة والطب ولم يوجد في تاريخنا أبدًا أي اضطهاد لعلماء العلوم المادية، ونجح المسلمون في كثير من فروع العلم المادي، وظهر منهم علماء بارزون قال الدكتور عبد الحليم عويس"وقد ظلت آثار هؤلاء العلماء المسلمين هي الآثار العلمية المعتمدة خلال العصر الوسيط كله ، ومن هؤلاء العلماء: ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وجابر ابن حيان مكتشف الصودا الكاوية وحامض الكبريتيك المخفف بعد تقطيره، والرازي مكتشف زيت الزاج وعدة أمراض ، وابن الهيثم مكتشف علم البصريات والفرغاني واضع علم المثلثات" (2) .فالمسلم وصل إلى الحقائق الفكرية من خلال العقل والأدلة العقلية القوية التي أثبتت وجود الله سبحانه وتعالى وصدق الأنبياء وبنى أفكاره وعقائده بناء على القرآن والسنة في حين أن العلماني هو من يرفض حكم العقل والأدلة العقلية، ويبني عقائده وأفكار على آراء شخصية له وللفلاسفة المتناقضين فكريا ومن خلال التصويت والحلول الوسط والمصالح الشخصية أو الجماعية والأهواء والشهوات . . الخ وما نقوله ليس اتهاما بل هو اعتراف من العلمانيين بان فكرهم يعتمد على الرأي وليس على الحقيقة. والرأي قد يصيب وقد يخطئ، أما الحقيقة فهي العلم، والرأي عندهم هو منبع أسسهم الفكرية في حين ان الرأي والاجتهاد عندنا ضمن حدود معينة، أما الحقائق الفكرية

فهي ثابتة ولا تتغير لأنها حقائق وعلم. كما أن الحقائق الفكرية الإسلامية ترشد استخدام الرأي، وتجعله يصيب أكثر مما يخطئ، قال الدكتور عبد الحليم عويس"وليس ما يشرعه الله إلا سياجا يحوط مسيرة العقل من الحيرة والزيغ، وليس - كما يتصور البعض ... عقبات في طريق مسيرة العقل" (1) فالاقتناع بالإسلام ليس مبنيًا على إيمان أعمى كما يقول العلمانيون، بل على عقل متفتح واع اقتنع بأدلة وجود الله وهو أمر مقتنع به اغلب العلمانيين أيضا واقتنع بصدق الأنبياء بناء على أدلة عقلية حيث رأى معجزاتهم في القران الكريم وفي إحياء الموتى وفي عصى موسى وفي حكمة وصواب ما يدعون اليه، وفي رقي أخلاق الأنبياء، وفي عظمة البناء الفكري الإسلامي وفي اعتداله وواقعيته وشموليته. وباختصار المسلمون اتبعوا العقل الصحيح ، والعلمانيون اتبعوا العقل الضائع ، ويتميز المسلمون في القضايا الاجتهادية بالحذر من الكلام بها خوف الخطأ مع إن عقولهم لديها القرآن والسنة (فقد سُئل الإمام مالك ابن أنس رضي الله عنه عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا ادري، وسُئل"أبو يوسف"عن شيء فقال"لا أدري"فقيل له تأكل من بيت المال كل يوم كذا وكذا وتقول لا ادري: فقال:"آكل منه بقدر علمي ، ولو أكلت بقدر جهلي ما كفاني ما في الدنيا جميعا"(2) أما العلمانيون فإذا سألتهم مئة سؤال فكري فاغلبهم سيجيبون عليها لان العلمانية فتحت أبواب الفكر والعلوم الفكرية لكل من له لسان وقلم، فعلماء الإسلام كلامهم أقل من علمهم والعلمانيون كلامهم أكثر بكثير من علمهم هذا إذا كان لبعضهم علم.

2-ثقافة المسلمين: تتهم العلمانية الإسلام والمسلمون بالجمود وعدم الثقافة وعدم التعليم، ونقول إن الجمود حدث في القرون الأخيرة لأسباب مختلفة منها الفقر وعدم الاستقرار السياسي والتأثر باقتناعات معينة جاءت كرد فعل لأحداث فكرية قديمة منها تعطيل باب الاجتهاد، وأما المسار الفكري والثقافي الأصلي والمعروف فهو العلم والثقافة والانفتاح قال الأستاذ تقي الدين النبهاني"نعم إن الإسلام لم ينه عن الدراسة الفكرية بل أباحها، ولم ينه عن أخذ الأفكار بل أباح أخذها، ولكن الإسلام قد جعل العقيدة الإسلامية قاعدة الأفكار،"

ــــــــــــــــــ

(1) ص 12 المصدر السابق

(2) ص 122 ، 123 غرائب الأخبار الأستاذ أحمد عيسى عاشور

ومقياسًا لأخذها أو رفضها، فأنه لا يجُيز أخذ فكر يتناقض مع هذه القاعدة" (1) قال الشيخ عبد الحليم محمود"درس الكندي الفلسفة اليونانية والفلسفة الفارسية والفلسفة الهندية ودرس الهندسة والطب والجغرافيا والموسيقى" (2) وكتب الكندي أكثر من مئتي كتاب ورسالة أما الفارابي فله أكثر من مائة كتاب ورسالة في الفلسفة وغيرها ولأبي موسى الأشعري أكثر من ستين مؤلفًا منها كتاب الفصول ، وكتاب"إيضاح البرهان"وكتاب"اللمع"وكتاب"التبيين عن أصول الدين"وكتاب"الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل"وكتاب"القياس"وكتاب"الجهاد"... الخ وألف الإمام الغزالي قبل أكثر من ألف عام كتاب مقاصد الفلاسفة وكتاب تهافت الفلاسفة وكتاب المنقذ من الضلال وكتاب الاقتصاد في الاعتقاد وكتاب"إحياء علوم الدين"... الخ وفي هذه الكتب مناقشة للفلاسفة والفرق الإسلامية وتكلم في العقائد والأخلاق فكيف يقال أن العقل الإسلامي تعطل منذ القرن الأول أو الثاني الهجري وهم كانوا يناقشون الفكر العالمي كله بمدارسه العلمانية والدينية وفهموه بطريقة صحيحة ويصلحون له أخطاءه قال ابن القيم"وأرباب هذه المذاهب مع كل طائفة منهم خطأ وصواب وبعضهم أقرب إلى الصواب وبعضهم أقرب إلى الخطأ ، وأدلة كل منهم وحججه ، إنما تنهض على بطلان خطأ الطائفة الأخرى ، لا على إبطال ما أصابوا فيه ... وأهل السنة وحزب الرسول ، لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء .. بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه ، وهم مع أولئك فيما أصابوا فيه ، فكل حق مع طائفة ، فهم يوافقونهم فيه ، وهم براء من باطلهم .. فمذهبهم جمع حق الطوائف بعضه على بعض ، والقول به ، ونصره ، ونفي باطل كل طائفة وكسره" (3) وما ذكرناه من أسماء لعلماء الإسلام هو فقط عينة قليلة ، فالعالم عرف منذ قديم الزمان الحوارات والكتب والمدارس والأفكار والعقائد والأدلة ولكن العلمانية تظن أن العقل البشري لم يعرف ذلك قال الشيخ عبد الحليم محمود"ومن المعروف أن الإلهيات والأخلاق ( الكتب اليونانية القديمة ) لم يترجما إلا في أيام المأمون وفي هذه الفترة كان هناك معتزلة وصوفية ونصيون وملحدون يتصارعون فيما بينهم تصارعًا لا هوادة فيه" (4) وقال"

ـــــــــــــــــــ

(1) ص 143 التفكير الأستاذ: تقي الدين النبهاني

(2) ص 210 التفكير الفلسفي في الإسلام الشيخ عبد الحليم محمود

(3) ص 127 بنيات الحل الإسلامي الدكتور يوسف القرضاوي

(4) ص 183 التفكير الفلسفي في الإسلام الشيخ عبد الحليم محمود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت