فهرس الكتاب
"ويرى الكندي وابن سينا وغيرهما موقف الإسلاميين من الفلسفات القديمة: نظروا فيها فانتقدوا منها الباطل ، واعتنقوا الحق ، وساهموا في تكملة صرح الحق ، على قدر طاقتهم" (1) وقال الدكتور إبراهيم مدكور"وقدس المعتزلة أيضًا حرية الرأي ، قدسوها لدى معارضيهم كما قدسوها فيما بينهم ، فاستمعوا من خصومهم إلى أغرب الآراء وأشنعها ، وحللوها وأثبتوا بطلانها ، وأفسحوا مجال البحث فيما بينهم ، ولم يضرهم أن يعارض التلميذ أستاذه" (2) وقال"الأشاعرة مدرسة موفقة ، حاولت أن تقف موقفًا وسطًا بين طرفين ، بين النقل والعقل ، بين السلف والمعتزلة" (3) ومن الشبهات الغريبة لبعض العلمانيين العرب هو قولهم بأنهم معتزلة في حين المعتزلة لا يؤمنون بفصل الدين عن الدولة ، ويلتزمون بالنصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة وبالصلاة وكثيرًا ما نلاحظ مثقفين عرب يستشهدون بما قال مفكرون وسياسيون غربيون ، ونحن لسنا ضد ذلك ، فالحكمة ضالة المؤمن ولكننا نستغرب أن يجهل هؤلاء أو كثير منهم ما في ثقافة المسلمين من آراء وأفكار واجتهادات وطرائف وأشعار ، ولو قارنا الشعر العربي من عنترة بن شداد ليومنا هذا لوجدناه أرقى وأغزر من الشعر الإنجليزي أو الفرنسي ووجدنا أن لغتنا العربية أجمل وأعرق وأشمل ولكنها وللأسف الهزيمة النفسية ، والتقليد الأعمى ، ونضيف إلى ثقافة المسلمين أن الإسلام لم يغلق أبواب الإبداع الفكري أو الأدبي أو الرياضي أو السينمائي فالقيود الشرعية هي ضد الخرافات والسخرية والأمور التافهة والإثارة الجنسية والألفاظ السوقية والإلحاد والزندقة ... الخ وهي مع القصة الهادفة ، ومع المسرحية المحترمة ، ومع الفلم المفيد ومع الشعر الجميل ، ولم نجد من علماء المسلمين من انتقد أي عمل فكري أو أدبي أو مسرحي مفيد أو ترفيهًا برئيًا .
3-الاجتهاد العقلي: لا ينتهي دور العقل بأن يوصلنا إلى أن القرآن والسنة هما مصدر الحقائق الفكرية، بل لا زال مهما وأساسيًا في فهم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وفي التأمل في الكون والكائنات والحياة ، وفي معرفة عقائد ونظريات الأمم والشعوب وفي معرفة حقائق الواقع السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وأيضًا في تحقيق التقدم الزراعي والصناعي والطبي
ــــــــــــــــــــ
(1) ص 196 المصدر السابق
(2) ، (3) ص 38 ، ص 46 في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه د. إبراهيم مدكور
... الخ والمجالات التي ذكرتها في العلم الفكري تحتاج دراسة وبحثًا وتجميع معلومات ونقاشًا فالقرآن والسنة يُعطياننا الحقائق الرئيسة والنور ، والعقل يعطينا العين ، قال الدكتور أحمد كمال أبو المجد:"على"المؤمن"أن يعيش حياته محُلقًا في الكون من حوله بجناحيه ، أحدهما جناح العقل والآخر جناح النقل ( أي النصوص الدينية ) " (1) قال عليه السلام"من اجتهد فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد"فقمة التقدم الفكري موجودة في الإسلام لأنها تشجع البحث الحاد ، والدراسة ، و"الاجتهاد"إلى درجة أن من يخطئ بعد ذلك الجهد له أجر ، وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل"بم تحكم ؟"قال"بكتاب الله"فقال"إن لم تجد ؟"قال"بسنة رسول الله"فقال"إن لم تجد ؟"فقال"أجتهد رأيي"فقال عليه السلام"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله" (2) وقال ابن القيم"وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أميره بريدة أن ينزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله ، وقال"فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ؟ لكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك"وقال ابن القيم عن الأمور الاجتهادية واختلافها"ولا يُكفر ولا يُفسق من خالفها ، فإن أصحابها لم يقولوا هذا حكم الله ورسوله ، بل قالوا اجتهدنا برأينا فمن شاء قبله ومن شاء لم يقبله ، ولم يلزموا به الأمة"وقال أبو حنيفة"هذا رأيي ، فمن جاءني بخير منه قبلناه" (3) وقال الدكتور أحمد كمال أبو المجد"إن النصوص مهما تعددت - فهي محدودة بالقياس إلى المشاكل المتجددة .. والسوابق الثابتة من عهد النبوة وعهد صدر الإسلام مهما تعددت كذلك فهي محدودة العدد بالقياس إلى ما يطرأ كل يوم من أوضاع جديدة ومشاكل لم تكن تواجه الناس العصر الأول" (4) وقال"ليعلم هؤلاء كذلك أن التجربة الإنسانية لا تُرفض لمجرد أنها تمت في أرض غير إسلامية أو تحت راية غير إسلامية وأن هذا لا يكفي وحده لرميها رمية مسبقة قاطعة بأنها تجربة"جاهلية"فالحق هو الحق ، والحكمة ضالة المؤمن ، والحضارات قيم ومبادئ من ناحية ونُظم وأدوات لخدمة هذه القيم والمبادئ ، من ناحية أخرى" (5) ومعنى هذا أن الاجتهاد"
ــــــــــــــــــــــ
(1) ص 11 حوار لا مواجهة د. أحمد كمال أبو المجد
(2) ص 88 القسطاس المستقيم الإمام أبو حامد الغزالي
(3) ص 39 ، ص 40 تهافت العالمانية دكتور صلاح الصاوي
(4) ص 89 حوار لا مواجهة د. أحمد كمال أبو المجد
(5) ص 46 المصدر السابق
وهو ( النص + العقل ) له مكانة كبيرة في الإسلام ، وأن تطبيق النصوص القرآنية والنبوية لم يكن أبدًا تطبيقًا أعمى، فالعقل له دور في فهمها ، وفي فهم الواقع ، وفي ترتيب الأولويات ، وثبات النصوص القرآنية هو عبارة عن حقائق فكرية لا تتغير فصفات الله سبحانه وتعالى وأسمائه لا تتغير ، وطبائع النفس البشرية من حب وكره وغضب ورضى ... الخ لا تتغير ، والمبادئ الرئيسة في السياسة والاقتصاد من عدل وشورى ومساواة لا تتغير، وتحريم الربا والغش أمور لا تتغير وهناك تفصيل أكثر في الحقائق الاجتماعية لأنها لا تتغير، وهناك مرونة للقضايا السياسية والاقتصادية حتى تناسب واقع كل مكان وزمان ، وهنا يكون للاجتهاد دور كبير في اتخاذ قرارات البرامج السياسية ، وتوزيع الميزانيات وتحديد الأهداف ، والاستراتيجيات والخطط ، وفي اختيار تفاصيل النظام السياسي والاقتصادي الذي يتناسب مع المصلحة الوطنية ، قال الدكتور يوسف القرضاوي"وهكذا كان في الفقه الإسلامي منطقة مغلقة لا يدخلها التغيير أو التطوير ، وهي منطقة ( الأحكام القطعية ) وهذه هي التي تحفظ على الأمة وحدتها الفكرية والسلوكية ... ومنطقة مفتوحة هي منطقة ( الأحكام الظنية ) ، ثبوتًا أو دلالة ، وهي معظم أحكام الفقه ، وهي مجال الاجتهاد ، ومعترك الأفهام ، ومنها ينطلق الفقه إلى الحركة والتطور والتجديد" (1) وهنا ننبه إلى قضية هامة وهي أن مساحة الاجتهاد كبيرة في الفكر الإسلامي ، ولكن لا يسمح بالدخول لها من غير دراسة وفهم للآيات والأحاديث واللغة العربية وفهم الواقع وآراء الآخرين وبذل الجهد في الوصول إلى الرأي الصحيح أي الحقيقة مع أن ما يتم الوصول إليه يُعتبر اجتهادًا وليس حقيقة ملزمة ومن هنا يتضح خطأ اتهام الإسلام بأنه دين يعتمد كليًا على النص القرآني ، وأن لا مكان فيه للعقل ، ومكانة العقل في الإسلام تم الاختلاف في درجة فهمها بين العلماء ، وبين الفرق الإسلامية ، فهناك من قللوها لدرجة كبيرة كالخوارج وهناك من زادوها لدرجة كبيرة كالمعتزلة ، وهناك من اعتدلوا كأهل السنة والجماعة على اختلاف آرائهم ، أما بالنسبة للتطبيق الحالي في واقع المسلمين فإننا نرى أن هذا التطبيق ليس صحيحًا في بعض جوانبه ، وبقي متأثرًا بالجمود الفكري الذي عاشه المسلمون ، أي لا ينسجم مع الإسلام قال الدكتور أحمد كمال أبو المجد"وإذا كانت آفة الدنيا من حولنا أن"