فهرس الكتاب
الأرض قد أخذت زخرفها وأزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ، وتصوروا أن"العقل"يستطيع - بغير النقل - أن يهدي إلى الرشد فإن آفتنا نحن المسلمين - أننا عطلنا العقول ، وركنت عامتنا وخاصتنا إلى المنقول" (1) وهناك اتهام يوجهه بعض العلمانيين وهو اتهام المسلمين بأن اجتهاداتهم كثيرة ومتناقضة ، وحالهم حال العلمانيين ، ونقول أولًا اتهاماتكم لا تنتهي فمرة نحن نتبع النص ولا نختلف ، ومرة نحن نختلف حول كل شيء والجواب هو أننا نتكلم عن أهل السنة والجماعة وليس عن كل ما في التاريخ الإسلامي من آراء ونقول إن أهل السنة والجماعة متفقون على كل ما في القرآن والأحاديث الصحيحة وهذه مئات الحقائق الفكرية أو أكثر في حين أن العلمانيين لم يتفقوا على حقيقة فكرية واحدة كما أن اختلاف أهل السنة والجماعة هو في الأمور الاجتهادية ، وهذا لا يخالف الإسلام ولا يتعارض مع حقائق الكتاب والسنة أي هو اختلاف صحي يتم حسمه إذا كانت هناك حاجة من خلال مجالس العلماء أو مجالس السياسيين المسلمين أو الاقتصاديين أو غيرهم ، أي حسب نوعية الاجتهاد ، أما التناقض العلماني فهو في الأسس الفكرية ، وفي الأمور الاجتهادية ، كما أن الالتزام بالأسس الفكرية الإسلامية يمنع الاختلاف الاجتهادي من التحول إلى اختلاف خطر يفرق الناس ، ولنضع الأمر بصورة أخرى الحقائق الكبرى ليس بها اختلاف بين المسلمين ، أما الفرعيات والتفاصيل فمن الطبيعي الاختلاف حولها ، ومن الاتهامات التي يثيرها العلمانيون هو القول بأن وجود كتب سماوية يعيق العقل من الانطلاق والتفكير ، ونقول لا يوجد تعارض ، فمن يدرس الكيمياء أو الهندسة بحاجة إلى أن يقرأ كتب مقررة حتى يتعلم حقائق العلم المادي ، ولم يقل أحد أن وجود كتب كيميائية يعيق الكيميائي ويعطل عقله ويمنعه من التفكير والبحث والفهم ، بل الكتب الصحيحة تنير له طريقه ، وتجعله قادرًا على الإبداع والاستفادة وتحقيق المصالح المرجوة ، فالكتب السماوية هي النور الذي تحتاجه لترى طريقك في ظلمات الجهل ، وإذا وجد هذا النور تستطيع أن تبصر بعقلك وتسير في حياتك الشخصية والعقائدية والفكرية بخطوات ثابتة قوية"
4-فقه الواقع: فقه الواقع عنصر من عناصر الاجتهاد وأحببت أن أفصله لأبين أهميته ودور
ــــــــــــــــــ
(1) ص 208 حوار لا مواجهة د. أحمد كمال أبو المجد
العقل به، قال ابن القيم رحمه الله"فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله" (1) وقال"من شروط المفتي معرفة الناس ، وإلا راج عليه المكر والخداع والاحتيال" (2) وقال الدكتور أحمد كمال أبو المجد"وحين يمارس الاجتهاد ، وتعرض على المشرع والفقيه ورجل السياسة حلول متعددة تقبلها الشريعة الإسلامية وتتسع لها ، فإن الاختيار حينئذ لابد أن يحكمه فهم الواقع الاجتماعي وتحليل حركته ، لذلك وجب أن يستقر في ذهن دعاة الإسلام والمنادين بتطبيق الشريعة أن الجهد الفقهي الخالص لابد أن يتممه عمل اجتماعي واسع ، حتى تأتي ثمرته رحمة حقيقية للناس ، ومخرجا لهم من الضيق ، ورفعًا للحرج" (3) ونقصد بقراءة الواقع وفقه الواقع معرفة حقائقه العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، فما هي عقائد هؤلاء القوم حسب التعامل معهم لا حسب الكتب ؟ وما هي حقيقة الصراع الفكري والسياسي في منطقتنا وعالمنا ؟ وما هي أهداف هذه الجماعة أو ذاك الحزب ؟ وما هي سيرتهم الحقيقية بعيدًا عن التشويه مدحًا أو ذمًا ؟ وهذا ينطبق على الحكومات والأفراد أيضًا ، وإذا أخذنا الواقع السياسي فمن الضروري أن نفهم المعنى الصحيح للديمقراطية وإيجابيات وسلبيات الانتخابات والقوى السياسية المؤثرة من طبقية وعرقية وفكرية فنجد من علماء المسلمين من رفض الديمقراطية وهو لم يفهمها بعمق ونجد منهم من تكلم بالسياسة وهو لم يقرأ كتابًا واحدًا فيها والمفروض أن يتعلمها كأي علم آخر مثل علم المحاسبة أو العقيدة ، فالاجتهاد الإسلامي السياسي لا يكون صحيحًا إن لم يكن هناك علم ودراسة لعلم السياسة وواقعها ونظرياتها ، هذا طبعًا مع معرفة الفكر السياسي الإسلامي وحقائقه الفكرية في القرآن والسنة ، فمن الخطأ أن نجد متخصصاًَ في العلوم الشرعية الإسلامية يتكلم في قضايا سياسية وعلاقته بالسياسة محدودة لا تزيد عن متابعة الجرائد والأخبار ، ولا يعرف ما فيها من صدق وكذب ، وما نقوله ليس شيئًا جديدًا بل فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس والقبائل والدول ، فأحيانًا يأخذ قرار بالسلام ، وأحيانًا بالحرب وأحيانًا يسامح ، وأحياناًَ يعاقب ، وهذا يكون من ضمن اجتهاد ينطلق من معرفة النصوص القرآنية ومن معرفة الواقع وما هو أفضل قرار يحقق المصلحة للمسلمين ، أما الاجتهاد من دون معرفة الواقع فقد جعل بعض العلماء يخطئون في فتاويهم واجتهادتهم ، وكل جوانب الواقع بحاجة إلى عقل يقرأ
ويعايش ويسمع ويفكر ويحلل ويستنتج وبدون ذلك لا يكون هناك اجتهاد أصلًا ونصيب المسلمين سيكون من الحقائق الاجتهادية محدودًا أو لا شيء ، والإسلام في قضايا لا يقبل المساومة ، وفي قضايا أخرى يقبلها بمعنى أنه يصر على مبادئه ولكن يقبل ما هو متاح وممكن إذا كان أفضل الخيارات المطروحة حتى لو كانت جميعًا بعيدة عما يريد فالإصلاح ، خطوات كثيرة ، ولابد أن يسير فيها المسلمون، وما ينطبق على الجانب السياسي ينطبق على الجانب العقائدي والاجتماعي والاقتصادي ، ونذكر هنا أن الاجتهاد ليس قرارًا للمتخصصين فقط في العلوم الإسلامية بل هو جهد جماعي حسب نوع الاجتهاد ، أي يتطلب علماء الشريعة وعلماء السياسة ومشاورة المختصين من قانونيين واجتماعيين وتجار ومدرسين ونواب .. الخ كما أن وجود مجالس علمية أصبح عملية ضرورية لترشيد الاجتهاد ، والرأي الجماعي أصوب غالبًا من الرأي الفردي ، ودور علماء الشريعة هو بيان النصوص القرآنية والأحاديث وتفسيرها بصورة واضحة وترشيد ، حركة واجتهادات الآخرين بوضع الضوابط الإسلامية لها قال خير الدين التونسي 1825-1890:"أهم العوائق في تقدم المسلمين وجود طائفتين متعاندتين ، رجال الدين يعلمون الشريعة ولا يعلمون الدنيا ويريدون أن يطبقوا أحكام الدين بحذافيرها بقطع النظر عما جد واستحدث ، ورجال السياسة يعرفون الدنيا ولا يعرفون الدين ، ويريدون أن يطبقوا النظم الأدبية بحذافيرها من غير رجوع إلى الدين ، فنقول للأولين: اعرفوا الدنيا ، ونقول للآخرين اعرفوا الدين .. ، فهناك أصول الدين يجب أن تراعى ، وهناك أمور لم ينص عليها تقتضيها مصالح الأمة ، يجب أن تقاس بمقياس المنفعة والمضرة ، ويعمل فيها العقل" (1) ولنتذكر أن كثير من اختلافات المسلمين اليوم سواء كانوا أفرادًا أو جماعات أو شعوبًا أو حكومات في"اجتهاداتهم"لم تأت من خطأ في فهم آية قرآنية أو حديث نبوي بل جاءت من خطأ في فهم الواقع السياسي أو العقائدي أو الاجتماعي أو الإداري وتبنى الآراء والاقتناعات بلا دراسة شاملة ومتعمقة ليس اجتهادًا بل جهلًا ففهم الواقع المحلي والعالمي بمختلف جوانبه له دور كبير في تحقيق الاتفاق والتعاون وصناعة الإصلاح.