فهرس الكتاب

الصفحة 1026 من 2255

5-العقل والنقل: من شبهات العلمانيين هو ظنهم إن الإسلام يقدم النقل على العقل أي إذا قال العقل شيئًا وقال النص القرآني شيئا آخر فالصواب للنص القرآني والخطأ للعقل وهذا شيء صحيح ، ولكن حقيقة هذه القضية هو أن النص القرآني أو الحديث النبوي هو صحيح بشهادة العقل لأن العقل أثبت وجود الله سبحانه وتعالى ، وصدق محمد صلى الله عليه وسلم ، فكل ما في القرآن هو صحيح بشهادة العقل ، فكيف يأتي العقل ليختلف مع النص

القرآني أي العقل يعارض هنا ما أثبته هو بنفسه وما دام النص القرآني صحيح فإن العقل هو المخطئ في رأيه الجديد فالقرآن حقائق فكرية ، والعقل يقول هذا رأيي ، والحقيقة أصوب من الرأي ، وقد يكون هناك احتمال خطأ في تفسير النص القرآني ، أو في تفسير الحديث النبوي وليس في النص نفسه وعندما قال علماؤنا باتباع النقل على العقل فهذا شيء صحيح عقليًا ، وهو إذا تعمقنا فيه إتباع للعقل وليس رفضا له ولا يمكن أبدًا أن تكون هناك حقيقة فكرية قرآنية أو حديثية تعارض حقيقة فكرية جديدة أو حقيقة من حقائق العلم المادي فالحقائق لا تتصادم أبدًا ولا تتعارض وحقيقة التعارض هو بين نص ورأي لا نص وعقل فالاصوب أن نستخدم النص والرأي أو الحقيقة والرأي لا النقل والعقل ومن النقاط الهامة في هذه القضية أن البعض يتحدث عنها كأن عندنا مشكلة فكرية في عشرات القضايا الفكرية وهذا خطأ فلا توجد أبدًا أزمة بين النصوص القرآنية وعقولنا وإذا وجدت أحيانًا فهي نادرة جدًا أو ظن بأن هناك تعارض فهو وهم في العقول وليس تعارضًا حقيقيًا وما أكثر ما يشغلنا العلمانيون باتهامات وظنون باطلة وأي قول يقوله الفلاسفة ويزعمون أنه يعارض النصوص القرآنية فنقول لهم إن آراءكم باعترافكم آراء وليس حقائق فإذا عارضت حقائق قرآنية فهي الخاطئة والأهم من ذلك أثبتوا أن آراءكم حقائق ثم تعالوا لتناقشونا والتعارض الموجود هو بين آرائكم بعضها مع بعض فحلوا هذه المشكلة واتفقوا على رأي واحد ولا نقول حقيقة واحدة وعندها قد يكون عندنا وقت لمناقشتكم قال الدكتور أحمد كمال أبو المجد"وقولنا الذي نردده في ذلك أن النقل رواية عن واهب العقل ... وأن صريح المعقول لا يمكن أن يناقض صحيح المنقول .... إذ لا يمكن لليقين أن يصادم اليقين ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا" (1) وقال الإمام الغزالي"إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول" (2) وقال"فالمُعرض عن العقل ، مكتفيا بنور القرآن ، مثاله - المتعرض لنور الشمس مغمضًا للأجفان ، فلا فرق بينه وبين العميان ، فالعقل مع الشرع نور على نور" (3) وقال ابن رشد"إنا معشر"

المسلمين نعلم ،على القطع ، أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع فإن الحق لا يضاد الحق ، بل يوافقه ويشهد له ... أعني أن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة" (4) "

وقال الإمام الغزالي"وإياكم أن تجعلوا المعقول أصلًا ، والمنقول تابعًا ورديفًا فإن ذلك شنيع مُنفر ، وقد أمركم الله تعالى بترك الشنيع والمجادلة بالأحسن ... فإياكم أن تخالفوا الأمر ، فتهلكوا وتُهلكوا وتضلوا وتُضلوا" (5) وقال"فإن قومًا اتخذوا هذا القرآن مهجورًا ، وجعلوا التعليمات النبوية هباء منثورًا ، وكل ذلك من فضول الجاهلين ودعواهم في نصرة الدين منصب العارفين قال تعالى"وإن كثيرًا ليضُلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين" (6) سورة الأنعام 119"

6-علم الكلام: أحد الأخطاء الفكرية التي وقع بها المسلمون من معتزلة وغيرهم هو أنهم حاولوا الرد على القضايا الفكرية التي أثارها الفلاسفة وأسئلتهم حول صفات الله سبحانه وتعالى والروح والخير والشر والحياة الآخرة وغير ذلك بالبحث عن الأدلة العقلية المباشرة ، أي استخدام الأسلوب العلماني من أدلة وآراء وأمثلة وجدل ، فأصبحوا يتكلمون بألفاظ فلسفية ، ويجاوبون على أسئلة لا معنى لها ولا أهمية ويدخلون في نقاش لا ينتهي مع أهل الإلحاد ، والفلاسفة والمفروض أن يتركز النقاش على قضيتين الأولى وجود الله سبحانه وتعالى والثانية صدق النبي صلى الله عليه وسلم أما غير ذلك فإن الأجوبة على الأسئلة العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية موجودة في القرآن والسنة ، فالحقائق الفكرية موجودة واضحة في مختلف المجالات فما الفائدة من الأسئلة الفلسفية والجدل البيزنطي والافتراضات والظنون وما الفائدة من البحث عن دليل عقلي قوي لإثبات كل حقيقة فكرية إسلامية والرد على شبهات الفلاسفة فإذا لم يكونوا يؤمنون بالله ورسوله فلا فائدة من أن يقتنعوا بصواب جزئيات أخرى من الدين ، كما أن إتباع الطريقة العلمانية في استخدام الحقائق الإسلامية في الرد على الفلاسفة وغيرهم تبعد الناس عن الحقائق الفكرية ، وتجعل النقاش والجدل هو السائد ، فعلم الكلام هو أسلوب استخدمه بعض المسلمين في الرد على الفلاسفة من خلال استخدام

الأسلوب الفلسفي في النقاش ، ولهذا حذر منه علماء المسلمين الواعين ونهوا عنه ليس عجزًا عن النقاش بل معرفة بأن هذا أسلوب محدود الفائدة إن لم يكن مضرًا وأنه يبعد الناس عن الحقائق ، ويبعد الناس عما يفيدهم ويجعلهم يضيعون في المتاهات التي ضاع بها الفلاسفة قال الإمام الشافعي رحمه الله"لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد" (1) وقال"حُكمي في أهل الكلام أن يضُربوا بالجريد والنعال ، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويُقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام" (2) وقال"ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس" (3) وقال الإمام أحمد بن حنبل"لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة"وقال الرازي"لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ، ولا تروي غليلًا" (4) وقال:

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

وقال الغزالي عن علماء الكلام من المعتزلة وغيرهم"وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ( الفلاسفة ) ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم ، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئًا أصلًا" (5) وقال الجويني"يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام ، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به" (6) فعلماؤنا عرفوا أن الجدل والطريقة العلمانية في التفكير هي مضيعة للوقت ، فالحقائق الفكرية موجودة في القرآن والسنة ، والمطلوب هو فهمها وتطبيقها في الحياة وليس النقاش والجدل حولها ، فالإسلام منهج تطبيقي عملي ، والعلمانية منهج فلسفي جدلي ، الإسلام يريد الحقائق وما يفيد الناس والعلمانية تريد الكلام والجدل حتى لو كان بلا فائدة ، ولا يوصل لحقائق كما يفعل فلاسفتها بل تعتبر الجدل وطرح

الأسئلة والتحدث حول أي موضوع ميزة بها في حين أن عدم رغبة أهل الإسلام في الكلام الكثير والأسئلة الفلسفية الضائعة ليس جهلًا منهم ولا ضعفا بل هو حكمة فهم وصلوا إلى الحقائق الفكرية ، ولديهم الأجوبة الصحيحة ، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عندما سُئل عن الفرقة الناجية:"إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم"فمن كان قريبًا من حقائق القرآن والأحاديث النبوية فهو الأقرب للنجاة والحكمة والنور والبصيرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت