فهرس الكتاب

الصفحة 1027 من 2255

7-الإسلام دين العقل: قال محمد إقبال"إنه كان من الطبيعي أن يكون محمد عليه السلام هو آخر الأنبياء لأنه بعد أن أسلم البشرية إلى عقلها لم يعد هناك مجال لنبوة جديدة ورسالة جديدة"- إذا كان وجود الله سبحانه وتعالى هو حقيقة فكرية أثبتها العقل فإن واجبنا أن نعبد الله ونطيعه ونحبه ونخاف منه ونشكره على نعم كثيرة لا تحصى من صحة وهواء وماء وعقل وكون منظم وبحار وجبال وسهول ونجوم وشمس وأنعام وزراعة ... الخ وهو لا شك خالق وقوي وعزيز وعليم وحكيم وكريم ورحيم وشديد العقاب وقادر .... الخ فإذا أمرنا أن نعبده ونكفر بطواغيت الأرض من أصنام وآلهة مزورة وعقائد باطلة وخرافات فلسفية علمانية وآراء علمانية فإن التصرف العقلي الصحيح هو أن نفعل ما يأمرنا الله به ففي هذا مصالحنا والفوائد الكثيرة وفي عكسه ضررنا والخسائر الكبيرة ولنضرب مثلًا أن أي دولة صغيرة تخاف من الدول الكبيرة القوية ، وترجو منفعتها وتخاف من عصيان أوامرها ، وكذلك يفعل الإنسان مع الحكومة القوية ولو فعل العكس لا تُهم بالحماقة وتعريض النفس والوطن للأخطار ، فمن باب أولى أن نخاف من الله سبحانه وتعالى فهو أقوى بلا حدود من كل القوى العظمى ومن كل الخلق كما أن الله سبحانه وتعالى يملك على الحقيقة الخير والمصلحة والغنى ، ويملك حياتنا وصحتنا ورزقنا وأولادنا وأمننا وسعادتنا ، وأخبرنا القرآن الكريم بصفات الله وأسمائه تنسجم مع التأمل العقلي في هذا الكون ومخلوقاته فلا واسطة عند الله سبحانه وتعالى ، وهو يعلم كل شيء وهو قادر وليس عاجزًا عن شيء، وخلقنا لعبادته ، وهو غني عن عبادتنا وسيحاسبنا على أعمالنا وأقوالنا أما العلمانيون فيتجاهلون الخالق القوي الجبار، ويضعون أهدافًا للبشر تتعارض مع الأهداف التي خلقهم الله لها ومن البديهي عقليًا أن من خلق ( أو صنع ) شيئًا لمهمة فيجب أن يؤديها ، فالخالق هو الأعلم ، والعلمانيون يعلم منهم من يؤمن بوجود الله بذلك ومع هذا يضع أهدافًا دنيوية للإنسان ويقولون له أنت حر ، افعل ما تشاء ولا تهتم بالأديان السماوية ولا بما حدده الله لك من مهمات ، وإذا أطعتنا فأنت إنسان عالمي

وحضاري وعقلاني ، وحقيقة الأمر أنه جاهل ومتخلف لأنه يُصدق بشرًا ضائعين ويرفض تصديق الله سبحانه وتعالى وأنبياءه الصادقين الواعين ، ولأنه إنسان يعبد ويطيع عقلًا ضائعًا ولا يطيع من خلق هذا العقل ، ويعبد المال ولا يعبد من يملك ثروات السموات والأرض ، ويجعل كل أمله في الصحة بيد الأطباء ولا يجعلها في من هو أقدر من الأطباء على التحكم بالصحة والحياة والموت ، فالعقل السليم يعرف هذا ويعرف أن الحقائق القرآنية تشرح هذه المفاهيم المنطقية المعروفة ، وإذا تخلص العقل البشري المعاصر من سيطرة الشهوات ومن المعلومات الخاطئة والفهم الأعوج والمعايير العلمانية المتناقضة فإنه سيجد أن الخير والمصلحة والعدل الحقيقي والحرية الحقيقية .... الخ في عقائد الإسلام وأحكامه ونظامه وأخلاقه فمثلًا العمود الفقري للزواج هو إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان والمسؤوليات بين الزوجين موزعة بطريقة عادلة ، ويدعوا الإسلام للزهد والقناعة والصبر وللاجتهاد في العلم والعمل والنوايا ولإعمار الأرض ، وأحكامه هي الشورى والعدل ويسمح بالتجارة والبيع ، ويُحرم الربا والقمار والخمر والزنا ، ونظامه الاقتصادي وسط بين النظام الرأسمالي والنظام الشيوعي ونظامه الاجتماعي متوازن ويحقق الرحمة والتكافل والتعاون والفضيلة ويرفض الغيبة والغرور والتعصب العرقي والطبقي والحقد والحسد وعقوق الوالدين والتبذير ، وفيه توازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع ، وفيه وقت للعبادة ووقت للعمل ووقت للاستمتاع البريء ، وتعامله مع المال تعامل راق يشجع على اكتسابه وإنفاقه ويجعله في يدك لا في قلبك ، ويوجهه نحو القضايا الهامة من مًأكل وملبس ومشرب ويبعده عن التبذير والإسراف والبخل ....الخ كل هذه الأمور وغيرها يؤيدها العقل ولها فوائد كثيرة للإنسان تجعله يصل إلى السعادة في هذه الدنيا وهذه الأمور جسدها الأنبياء والصالحون في كل زمان ومكان ، ولو درسنا أي جانب من الإسلام فإننا سنجد الحكمة والفائدة والمصلحة وهذه أمور بينها العلماء ، فتحريم الخمر له فوائد كثيرة وقد اقتنعت أمريكا العلمانية بمضار الخمر وحرمتها في بداية القرن العشرين ، ولكنها تراجعت بعد ذلك عندما سيطرت المصالح المحرمة والشهوات على القرار ، والطريف أن العلمانية الأمريكية التي تقول إنها قائمة على العقل تسمح قوانينها بشرب الخمر التي تُعطل العقل وتتهم في نفس الوقت الإسلام الذي يمنع الخمر ، ويمنع تعطيل العقل ويعتبر الخمر من كبائر الذنوب بأنه ضد العقل ، وعمومًا النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي الإسلامي كله حكمة ومصلحة ولكن أغلب الناس لم يتعمقوا في الدراسة وفي المقارنة مع الأنظمة الأخرى ونعلم أن كثيرًا من العلمانيين ليسوا على إطلاع كاف على الإسلام ويجهلون ما كتب علماؤنا ويجهلون قضايا الإيمان والشرك ومعانيها ويجهلون الفرق بين الزهد والتصوف ، وبين الشريعة والفقه ، وبين الحرية والفوضى وبين الإيمان بالغيب والتواكل ، وبين الانتماء العرقي والتعصب ، وبين البيع والربا ، وبين الحوار العلمي والجدل .

الإسلام والعلمانية

وجهت العلمانية اتهامات كثيرة للإسلام أدت إلى تشويه كثير من الحقائق الفكرية الإسلامية فهي أحيانًا تستند باتهاماتها إلى كتب مستشرقين لم يفهموا الإسلام، وأحيانًا إلى واقع متخلف في دول لا علاقة للإسلام به ، وأحيانًا تستغل تطرف جماعات محسوبة على الإسلام وهو برئ منها الخ والاتهامات كثيرة وسأحاول إن شاء الله أن أوضح حقائق هذه الاتهامات وذلك من خلال المواضيع التالية:

1)الديمقراطية هي الشورى: جوهر الديمقراطية هو في مبدأين أساسين: الأول حكم الأغلبية والثاني شرعية المعارضة وهذان المبدآن إسلاميان مائة بالمائة وهما من أساسيات الشورى فالقول بأن الشورى ملزمة معناه حكم الأغلبية ، وهذا المبدأ قال به علماء المسلمين منذ قديم الزمن ، وشرعية المعارضة تتطلب الإيمان بالحقوق والحريات العامة والتي منها حرية الرأي والفكر والتجمع والصحافة، وهذا لا يعني التشابه الكامل بين الشورى والديمقراطية الأمريكية العلمانية ففي الإسلام الحقائق الفكرية هي أساس فوق التصويت ولا تخضع للمشاورة إلا في كيفية تطبيقها بمعنى أن الخمر مرفوضة وكذلك الربا وهذه الأمور لا تصبح قانونية ، أما في الديمقراطية الغربية فإذا وافقت الأغلبية على المخدرات أو الشذوذ الجنسي أو القمار أو الزنا فإنه يصبح قانونًا يتم تطبيقه وحمايته، أما تحديد موقع الشورى وحجمها فهذا متروك للشعوب لتختار ما يناسبها ففي الإسلام لا توجد ديكتاتورية، ولا استبداد في حين أن ليست كل دولة علمانية أو كل فكر علماني هو فكر ديمقراطي فالشيوعية فكر علماني ولكنه ليس ديمقراطيا والنازية كذلك وأغلب الدول النامية هي دول علمانية ولكنها ليست ديمقراطية ، فالديمقراطية ليست جزءًا لا يتجزأ من العلمانية في حين أن الشورى هي جزء لا يتجزأ من الإسلام، فدور الشعوب في حكم نفسها وأهمية حرية الرأي قضايا أساسية في الإسلام بشرط أن لا تتصادم مع الحقائق الفكرية، أما الأجتهادات بمختلف أنواعها فهي في أغلبها يمكن أن يتم الاتفاق على حسمها من خلال التصويت وأغلب الأمور السياسية والاقتصادية تدخل ضمن الدوائر الاجتهادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت