فهرس الكتاب

الصفحة 1028 من 2255

2-الإسلام والواقع: الإسلام كمبدأ هو عقائد وأحكام أي قضايا نظرية ، وهذا يعني أن الحكم عليه يكون من خلال أدلته العقلية على صوابه ولكن بعض العلمانيين يربطون بين الإسلام

وتاريخ الدول الإسلامية وما فيها من خير وشر ، أو ما في واقع المسلمين الحالي من خير وشر ، ونقول إن تاريخ الدول ليس هو تاريخ الإسلام بمعنى أن في التاريخ والواقع مسلمين صادقين وفيه منافقون وأصحاب مصالح وشهوات يحملون أسماء إسلامية ، فليس كل ما في التاريخ والواقع تطبيق صادق للإسلام ، فالإيمان والكفر والوعي والجهل والعمل والكسل هي أمور تختلف من فرد إلى آخر ومن شعب إلى آخر ، ونجد في واقعنا الحالي من ينتسب للإسلام اسميًا وهو لا يوجد به ذرة من الإيمان بالإسلام ، ولا ذرة من أعماله وأخلاقه ، فالصفحات السوداء في تاريخنا ليس الإسلام مسئولًا عنها كما أن محاكمة التاريخ قضية لا توصلنا للحقائق إلا ما ندر ، بمعنى أن الناس تختلف حاليًا حول صلاح وفساد أنظمة حكم حديثة لاختلاف المعايير والمفاهيم والمعلومات ، ولدخول الأهداف والنوايا والمصالح وغير ذلك ، وهذا يحدث في القرن العشرين فما بالك بتاريخ قديم تم تشويه جوانب كثيرًا فيه وصوره كثيرًا من أعدائه على أنه تاريخ أسود لأهداف عقائدية ، وجعلوه تاريخًا للاستبداد والجهل والظلام وهذا غير صحيح ، فهناك من يستشهد بروايات جاءت في كتاب تاريخ الأمم والملوك للإمام الطبري ويستخدمها في الطعن في الصحابة والمسلمين ، ويجعلهم أصحاب طمع وقسوة وجاهلية ومناصب ، ولو أنصف هؤلاء لقالوا إن الطبري كتب الروايات التي سمعها ، وهذا ليس التاريخ الحقيقي وقد ذكر ذلك الطبري بنفسه حيث قال"فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة ، فليعلم أنه لم يُؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدى إلينا" (1) ولماذا يأخذ هذا البعض الروايات التي تجعل التاريخ أسود ، ولا يأخذ الروايات التي تجعله أبيض وهي موجودة في تاريخ الطبري أيضًا (2) ومن البديهي أننا لو جمعنا ما قيل من روايات وقصص عن حرب الخليج الثانية وصدقنا الروايات السيئة فقط لاقتنعنا بأنه لا توجد ذرة خير لا في الشعوب ولا القوى السياسية ولا الأنظمة ، ومن المعروف أن الحقائق هي أول الضحايا للحروب والصراعات والاختلافات لأن هناك الحروب الإعلامية والشائعات الكاذبة وأعداء يمكرون ويكذبون وهذا يحدث في ظل

وسائل أعلام قوية جدًا فما بالك بالتاريخ القديم ونختصر القول في تاريخنا بأن فيه صفحات بيضاء كثيرة ، وفيه صفحات سوداء كحال بقية الأمم فقد أقمنا ثلاثة دول عظمى وهي الأموية والعباسية والعثمانية ، ودولًا أخرى كثيرة في آسيا وأفريقيا وأوروبا وحققنا نجاحات فكرية هائلة، فقد وصل الإسلام حتى لأندونيسيا والصين ومناطق في روسيا وأواسط وغرب أفريقيا وفي تاريخنا حكام عادلون وأنظمة عادلة ومفكرون مميزون وانتصارات عسكرية كثيرة ... الخ ومن المستحيل تحقيق هذه الصفحات البيضاء الكثيرة من خلال الجهل والظلم ويكفي أن نقول أن الوحدة بين الدول العربية والتي لا نتوقع تحقيقها قبل عدة عقود مع وجود العلم والإمكانيات الكبيرة والاتصالات والاجتماعات تم تحقيقها عدة مرات في تاريخنا ، ولكن مشكلة البعض أنه غير منصف في قراءة التاريخ لأنه جاهل أو كاذب أو يحاكمه بمعايير مثالية ، ومن المعروف أن المسلمين الأوائل اهتموا بكتابة القرآن وتفسيره والأحاديث الصحيحة لما لهما من فوائد عظمية لأنهما مصدر الحقائق الفكرية ولكنهم لم يهتموا بكتابة التاريخ لأن علاقته بالحقائق الفكرية محدودة ، وفوائد كتابته محدودة أيضًا ، وعمومًا فإنه من المهم جدًا الفصل بين الإسلام والواقع ، وإلا فعلينا أن نحكم على الشيوعية من خلال تطبيقات ستالين ، وعلى الرأسمالية من خلال اضطهاد الهنود الحمر والأمريكيين الأفارقة والقنابل الذرية والحروب العالمية ، ولا شك أن التطبيق عنصر هام ولكنه ليس الأساس ، والتطبيق الصحيح للإسلام حدث في دول كثيرة قديمًا وحديثًا ، ونشاهده في أفراد ذوي أخلاق عالية ووعي واعتدال ونشاط وإنتاج وتواضع ... ولكن العلمانيين للأسف يخلطون بين الإسلام والواقع ، وبين الإسلام واجتهادات خاطئة أو حتى شاذة ، قال الأستاذ أديب صعب ،"إن أي اتهام للمسيحية أو لأي دين آخر على أساس تفسير شاذ أو متطرف أو على أساس ممارسات سلبية قامت بها هذه المؤسسة الدينية أو تلك باسم الدين ، مثل إقدام محاكم التفتيش الكاثوليكية في عصر النهضة الأوروبية على اضطهاد العلماء والمؤلفين والمبدعين في الغرب باسم صيانة القيم المسيحية ، هو مغالطة منطقية وواقعية لا تميز بين المبدأ الأصلي وتشويهه" (1) وقال الدكتور محمد عمارة ،"ليس هناك إنسان بلا عورة ولا بشر بلا خطايا ، ولا أمة بلا هزائم وكبوات ، ولا"

تراث بلا تيارات للتقليد والجمود ، ولا حضارة بلا دورات في الازدهار والتراجع والانحطاط .. ولكن الشذوذ ألا يرى كاتب التاريخ إلا العورات والخطايا والهزائم والكبوات والتقليد والجمود والقمامة والسوءات والانحطاط ... دون غيرها من الإيجابيات والحسنات والانتصارات ومظاهر الصحة والتقدم والازدهار والصفحات المشرفة في حياة الأمم والشعوب والحضارات" (1) "

3-حقوق الإنسان: قال جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي"إن الناس يولدون أحرارًا ولكنهم يعيشون مُكبلين بالسلاسل في كل مكان" (2) وجاء في وثيقة الاستقلال الأمريكي النص التالي"نؤمن أن الحقائق التالية تثبت صحتها بنفسها: إن الناس خُلقوا جميعًا متساويين ، وأن الله منحهم حقوقًا غير قابلة للتبديل ومن هذه الحقوق الحرية ، والحياة ، وطلب السعادة" (3) هذا الكلام الجميل لا اختلاف عليه ، وهو حقائق فكرية يؤيدها الإسلام وكل فطرة سليمة وكل عقل سليم ، وهي أهداف عامة لا تختلف حولها المبادئ السماوية وغير السماوية إلا في حالات نادرة ولكن العلمانية الغربية عادة ما تحتكر حقوق الإنسان والحرية والمساواة مع أن الإسلام أعلن منذ خمسة عشر قرنًا أن الناس جميعًا من آدم وحواء ، وأنه لا فرق بين الأجناس البشرية ، وأن هذه التفرقة جاهلية منتنة ، وأعطى للناس حرية الاعتقاد ، وحرية العبادة ، والعمل وحرية التجارة والسكن ، وحرية الرأي ، ولم يتدخل إلا في قضايا محدودة مثل السخرية من الدين أو التهجم على النبي أما النقاش الموضوعي فهو مفتوح وحرية القول السياسية محترمة والاعتداء على الآخرين مرفوض ، قال صلى الله عليه وسلم"ومن ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة"وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما اعتدى مسلم على قبطي"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"فالمسلم هو الإنسان الوحيد الحر لأنه عبد الله فقط وليس عبدًا لسلطة ولا مال ، ولا شهوات ولا علمانية ، وهو حر حتى لو سجن فحريته هي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت