فهرس الكتاب
حرية فكر وعقائد وإيمان ، وهو حر لأنه قوي أما الانحرافات ، وما نجحنا فيه وطبقنا في الحرية لا نجد من يردده وينشره في حين أن ما قاله مفكرو الغرب نجد أعلامًا قويًا ينشره فيظهره كأنه صناعة غربية لم تعرفها البشرية ، ونعلم جميعًا أن الثورة الفرنسية فشلت في تطبيق الحرية أي ظلمت واستبدت حتى قال قائلهم"كم من جرائم ارتكبت باسم الحرية"أما بالنسبة للثورة الأمريكية فقد نجحت لدرجة كبيرة في تطبيق الحرية وحقوق الإنسان ، وهذا لا نختلف معه وأن اختلفنا أنها أعطت الحرية حتى للفساد كالشذوذ والزنا والخمر ، وكلنا يعرف أنه على مدى التاريخ كانت هناك ثورات وتغييرات وحكومات أقامت العدل والمساواة والحرية فلماذا تسلط الأضواء فقط على الثورة الفرنسية أو الأمريكية وتاريخ العالم من شماله ، إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه به نماذج كثيرة من الأقوال والأعمال الطيبة والأبطال والحركات والنجاح ، ونحن كمسلمين مع حقوق الإنسان وإن اختلفنا في جزئيات قليلة تعارض عقيدتنا ونحن نعتبر هذه الحقوق جزءًا من إسلامنا في حين أن العلمانيين أحرار في الإيمان بها أو الكفر فبإمكانك أن تكون علمانيًا ولا تؤمن بصوابها ، أي صواب حقوق الإنسان أما نحن فلا نستيطع لأننا إذا لم نؤمن لن نكن مسلمين كما أن اقتناعنا بالمساواة بين البشر ليس هو اقتناع قانوني أو في وثيقة بل يجب أن نقتنع به داخل نفوسنا ونطبقه في قضايا اجتماعية وشخصية وسياسية وهذا ما فعله المسلمون الأوائل ويفعله كل مسلم ملتزم ، أما وثيقة الاستقلال الأمريكي فلم تُعط الأمريكيين السود حق الانتخابات إلا بعد أكثر من مئتين سنة مع كلامها الجميل عن المساواة كما أن حقوق الإنسان العالمية هي قرار تم من خلال التصويت وقد تتغير بعض هذه الحقوق في حين أن حقوق الإنسان الإسلامية لا تتغير وهي ثابتة ، ومن المهم أن نذكر أن بعض المسلمين يخطئون إذا رفضوا التعاون مع جمعيات حقوق الإنسان سواء طالب بها علمانيون أو غيرهم لأن الاتفاق بين حقوق الإنسان الإسلامية والعالمية كبير جدًا وإذا وجُدت بعض الاختلافات فيمكن التحفظ عليها ، فالتعاون على الخير مبدأ إسلامي ، ومن قال كلمة حق قبلناها منه وساعدناه على تنفيذها ، وتبقى قضية مهمة في الحرية وهي أن الحرية الحقيقية مقيدة بضوابط فليس من الحرية أن يفعل الإنسان ما يشاء في وقته أو ماله أو أقواله وليس من الحرية أن تتكلم بكلمات قاسية مع والديك أو بألفاظ بذيئة مع أصدقائك ، وليس من الحرية أن تنحرف أخلاقيًا وليس من الحرية أن تلبس المرأة أو الرجل ما يشاءون ... الخ فهذه ليست حرية بل فوضى وفساد ، قال الدكتور إبراهيم مدكور"ليس معنى الحرية أن تسيء إلى العدالة ، أو أن"
تخرج عن القانون ، ومن أبسط ضوابطها أن تُعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ، وليست الحرية في أن نسلم من المؤثرات الخارجية فحسب ، بل أن نسلم أيضًا من المؤثرات الداخلية ، فنقاوم الميول والأهواء ، ونبرأ من الضغائن والأحقاد وتلك هي حرية الحكيم" (1) ونعرف ونعترف أن المسلمين اليوم انشغلوا بقضايا عقائدية وعبادية واجتماعية وهذا شيء مطلوب ، ولكنهم لم يطبقوا المبادئ الإسلامية في حقوق الإنسان ، فلم يجعلوا تطبيق الشورى من أولوياتهم ولم يقفوا مواقف قوية وكثيرة مع الفقراء والعمال ولم يهتموا بإنصاف الأقليات الدينية والعرقية ، ولم يقفوا ضد العنصرية بكافة أشكالها ، كما أن دور المرأة المسلمة يحتاج إلى خطوات كثيرة تنصفه من الجمود والتخلف والظلم ، فهذه الأمور أساسيات في الإسلام ، ولكن جهود المسلمين محدودة في هذه المجالات ويجهل كثير من الناس أن هدف الجهاد بأنواعه المختلفة هو الدفاع عن حقوق الإنسان الصحيحة كما أن فريضة النهي عن المنكر من أساسيات الإسلام والمنكر هو الظلم والانحراف ولم يكتف الإسلام بذلك بل دعا عن طريق الأمر بالمعروف إلى الالتزام بواجبات الإنسان الصحيحة أي واجباته نحو الله سبحانه وتعالى ووالديه وأقاربه وجيرانه والفقراء ... الخ فالمعادلة الصحيحة قم بواجباتك أولًا ثم طالب بحقوقك ، ونحن بحاجة ماسة إلى منظمات لواجبات الإنسان فهي الأهم لأنها تتعامل مع الخير ومع كل جوانب الحياة بما فيا الجوانب السياسية التي تكاد تقتصر عليها أنشطة منظمات حقوق الإنسان ، وهناك شبهه يثيرها بعض العلمانيين وهي أن الأديان السماوية تحمل في تعاليمها وتوجهاتها تمايزًا بين أتباع الديانات أو البشر بشكل عام ، ونقول مبدأ التمايز موجود ، فلا يتساوى الإنسان المستقيم والإنسان المجرم ، ولا المخلص لوطنه مع الخائن ، ولا الطالب المجتهد مع الكسول ، وبالتالي فلا يجوز أن يتساوى من يلتزم بالحقائق الفكرية ( الإسلام ) أي من يطيع الله سبحانه وتعالى ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم بمن يتمرد ويكفر وينحرف ويتبع الجهل والظن وأهواءه وشهواته وعصبياته العرقية أو الطبقية ، فهذه الانحرافات أكبر من انحراف المجرم والخائن لأن فضل الله علينا أكبر من فضل أوطاننا وأمهاتنا وآبائنا ، فالتمايز الإسلامي مبني على العلاقة بالحقائق الفكرية اعتقادًا ومعرفة وإيمانًا وعملًا ، ولنتذكر أن كل ما يعارض الحقائق الفكرية ليس مساواة ولا رحمة ولا عدلًا وهذا ما أثبته العقل فلا نتبع الظن فنضل ونشقى ."