فهرس الكتاب
4-الدولة الدينية: من الأمور التي يثيرها العلمانيون مبدأ الحاكمية لله في الإسلام ، ويظنون أن هذا المبدأ يستغله البعض ليظلم ويضطهد ويحقق مصالحه الشخصية والسياسية باسم الله ، ونقول قال الدكتور يوسف القرضاوي"إن ( الحاكمية ) التي قال بها المودودي وقطب ، وجعلاها لله وحده ، لا تعني أن الله تعالى هو الذي يولي الخلفاء والأمراء ، يحكمون باسمه ، بل المقصود بها الحاكمية التشريعية فحسب ، أما سند السلطة السياسية فمرجعه إلى الأمة" (1) وقال"وهذه الحاكمية لا تنفي أن يكون للبشر قدر من التشريع أذن به الله لهم" (2) وقال"فمن حق المسلمين أن يشرعوا لأنفسهم في دائرة ما لا نص فيه أصلًا وهو كثير" (3) وهذا الكلام يعني أن الدولة الإسلامية ليست دولة دينية بالمفهوم الغربي ، بل هي دولة مدنية ، والله سبحانه وتعالى لم يحدد للناس حكامهم وحكوماتهم ، ولا تتكلم الحكومات الإسلامية باسم الله ، بل هي حكومات بشرية تجتهد برأيها ضمن حقائق الإسلام وخطوطه العريضة فتصيب وتخطئ وتُولي وتعزل وذلك شيء يقرره الشعب المسلم ، والالتزام بالإسلام هو التزام بالحقائق الفكرية ، فالحكم الإسلامي معناه الحكم للحقائق الفكرية أي للحق والصواب ، والنور والهداية ، وهذه هي المبادئ التي تحكمنا كأفراد وحكام وحكومات وأحزاب ، فقمة التقدم هو أن نخضع للحقائق أي للعدل الصحيح والمساواة الصحيحة والحرية الصحيحة ... الخ فالولاء ليس لطبقة أو عقل ضائع أو تعصب عرقي أو حزب أو رجال دين أو أغنياء أو غير ذلك قال الدكتور أبو المجد"فالمسلم لا يكون مسلمًا إلا إذا اختار الالتزام بشريعة الإسلام ، وأيقن أن ما ثبت عن الله تعالى أو عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، فهو المصلحة بعينها ، والرحمة كلها ، والعدل كله"وقال:"أما حكم الله تعالى، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالإيمان به رسوخ في العلم والتسليم له عز ، والاستقامة على أمره مدخل لكل خير" (4) ، فالحكم الإسلامي يكتسب شرعيته من قضيتين الالتزام بالحقائق الإسلامية والقبول الشعبي به ، في حين أن النظام في الولايات المتحدة قائم فقط على القبول الشعبي ، ولا يوجد هناك التزام بحقائق فكرية ، فأي شيء يقتنع به الشعب ولو كان باطلًا و ظالمًا يجب تنفيذه
كقانون أو برنامج أو سياسة ، وترك الإسلام قضايا كثيرة في نظام الحكم ليقررها الناس كطريقة اختيار الحاكم ، والسماح بالنظام الحزبي أو غيره وعدد المجالس النيابية واختصاصاتها ، وطرق حسم الاختلافات السياسية سواء بالتصويت أو التحكيم أو غير ذلك ، وهذه المرونة السياسية ، تعطي الشعب المسلم والعقل المسلم دورًا كبيرًا جدًا في قضايا تنظيمية وهيكلية وسياسية ولا تمنعه من الاستفادة من التجربة الإنسانية في الغرب والشرق ، إذا لم تكن تتعارض مع ديننا ، ولكن الاتهامات الباطلة جعلت الكثيرين يعتقدون أن الحكم الإسلامي هو قطع يد السارق ، وأن علماء الإسلام سيكونون القيادة السياسية ، وهذا غير صحيح ، فلا توجد أصلًا طبقة اسمها علماء الإسلام ذات مزايا خاصة ، كما أن تطبيق الإسلام يبدأ بالتربية والعمل والإنتاج والتعاون والتسامح ، وإنصاف الأقليات الدينية والعرقية والعلاقات الطيبة مع الدول الإسلامية ومع العالم وسد منافذ الفساد بكافة أنواعه وتطبيق العدل ثم بعد ذلك تأتي الحدود ، أما الحكم العلماني الغربي فهو يرفض الالتزام بالحقائق الفكرية سواء وصلنا لها من خلال العقل أو الدين ولا يدري أصلًا ما هي الحقائق الفكرية ، فالشعب هو الذي يقرر ما يريد حتى لو تعارض مع الحقائق فالتصويت هو الذي يحدد ما يطبق وما لا يطبق ، ويرفض الحكم العلماني أن يترك للشعب قرار اختيار الحكم المناسب له ، بل يجب أن يكون حكمًا علمانيًا والعلمانيون العرب مثلًا لا يقبلون أن يتم استفتاء شعوبنا أو أمتنا على الاختيار بين الإسلام والعلمانية مع أنهم يقولون نحن نرضى بحكم الشعب ليس فقط لأنهم يعرفون نتيجة هذا الاستفتاء بل أيضًا لأنهم يقبلون أن يحكموا الشعب ، حتى لو كان كارها لهم وهذا يتناقض مع مبادئ من يؤمن منهم بالديمقراطية ، وحكم الشعب ، قال الدكتور عصمت سيف الدولة:"إن العلمانية المعاصرة أصبحت دينًا ومذهبًا ، ويريدون إكراه الأكثرية المسلمة على حكم الأقلية العلمانية" (1) أما بالنسبة لقضية أن الحكم الإسلامي قد يستغل من حكومات لأهداف خاصة فهذا وضع موجود في كل المبادئ أي قد يستغل النظام الرأسمالي من حكومته لمصالح خاصة وتجعل معارضيها السياسيين خونة وتتهمهم بأنهم أعداء الوطن ، وهذا حدث ويحدث في كل زمان ومكان ، فإذا سارت الحكومة حسب الإسلام فهي حكومة مسلمة أما إذا تاجرت بالشعارات الإسلامية ،
فهذا انحراف يجب أن يصححه الشعب وهناك من حول الديمقراطية والانتخابات إلى ساحات للصراعات ، والجدل والتنازع ، وشراء الأصوات الانتخابية فهل الحل هو رفض الديمقراطية حتى لا يتم استغلالها من البعض ومثل هذا يقال للتعصب للدين أو للحزب أو للرياضة ... الخ
5-التطرف الإسلامي: في كل المبادئ يوجد معتدلون ومتطرفون ومتساهلون ، ونعرف ونعترف بأنه يوجد في الاتجاه الإسلامي متطرفون عقائديًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا ، وهذا التطرف درجات بعضه عنيف ودموي ، وبعضه مسالم ، وبعضه كبير ، وبعضه صغير ، ونحن لا ندافع عن هؤلاء بل نعتبرهم من أخطر أعداء الدين ، وأغلب هؤلاء ليسوا فقط ضد أعداء فكريين أو دول أجنبية أو أنظمة حاكمة محلية بل هم حتى ضد المسلمين الملتزمين المعتدلين ، سواء كانوا جماعات أو أفرادًا، وضد علماء مسلمين مشهود لهم بعلمهم ، وإخلاصهم ، وعمومًا فالأغلبية الساحقة من الاتجاه الإسلامي معتدلة في فهمها للإسلام وبعيدة عن التطرف ولكن البعض لديه مرض في عقله أو قلبه ولهذا يحرص على تشويه كل مسلم ملتزم بدينه ، والمتطرف هو الذي يخالف ما اتفق عليه أغلب علماء المسلمين وهو الذي يستخدم العنف ، ويسميه جهادًا وهو الذي يتهم الناس بالكفر والإلحاد دون علم وبصيرة ودون مشاورة العلماء ، وهو الذي يريد أن يضطهد الأقليات الدينية ، وهو الذي يتهم الحكومات بالعمالة والخيانة دون فهم لحقائق الدين والسياسة ، والمتطرفون في غالبيتهم شباب متحمس ليس لديه علم صحيح بالإسلام ، ولا خبرة بالواقع ، وهؤلاء أقلية فعلًا ونقول للصادقين من أبناء الأمة إذا كنتم ضد التطرف فنحن معكم ، ولكن يجب أن تفرقوا بين التطرف والالتزام الصحيح بالإسلام ، ويجب عليكم أن تلتزموا بالإسلام التزامًا صحيحًا فهذا يقربكم من المعتدلين في الاتجاه الإسلامي ويجعلنا نحقق الكثير من الفوائد ، ونقول للمعتدلين في الاتجاه الإسلامي تعاونوا مع الجميع على ما فيه الخير ، ومدوا جسور الحوار والتعاون واللقاءات فالطريق طويل ، ويحتاج إلى تجميع أبناء الأمة ضمن برامج واتفاقات وأعمال ، فكثير ممن يتهمون بالعلمانية أو غيرها ليسوا كذلك وأعلموا أن المتطرفين هم من أخطر أعداء الإسلام حتى لو كانت نوايا أغلبهم صادقة ، وواقعنا بحاجة إلى الكثير من التسامح والصبر والواقعية والتدرج وحسن الظن ... الخ ، وهذا ليس سذاجة وهو أيضًا ليس تنازلًا عن المبادئ الإسلامية ، بل جزء منها ، واللقاء مع الآخرين لا يعني أبدًا التنازل عن مبادئنا بل سيؤدي إلى فهم بعضنا لبعض وهذا ما لا يريده