فهرس الكتاب
خاصة وأن دين الله جل وعلا - الذى يبلغه ويبينه الأنبياء والرسل - ليس مجرد كلمات عابرة يلقيها الرسول أو النبى ثم يمضى ولا شأن له بعد ذلك كلا ، بل لابد لهذا البلاغ والبيان من استمرار وصبر ومثابرة ومتابعة ونصح دائم لا ينقطع بالرحمة والحكمة واللين لإخراج الناس من الظلمات إلى النور ولتستقيم حياتهم في الدنيا وينالون رضوان الله في الآخرة
ثالثًا: البشارة والنذارة:
لقد خلق الله الناس جميعًا على الفطرة ، أى على التوحيد كما في حديث أبى هريرة tأن النبى e قال:"كل مولود يولد على الفطرة"وفى رواية مسلم:"ما من مولود يولد إلا هو على الملة""فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" (92)
وفى صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار tقال: قال رسول الله e: يقول الله تعالى: إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم" (93) "
وهذه الفطرة السليمة النقية قد تفسد وتتغير بسبب ما يتعرض له الإنسان من ضغوط وفتن من داخل النفس وخارجها وهى فتن كثيرة فهناك فتنة الشيطان ووسوسته وإغرائه وهناك فتنة الأهواء وهناك فتنة الشبهات والشهوات والركون إلى الدنيا وغيرها
ولعلم اللطيف الخبير - جل وعلا - بضعف الإنسان وعجزه وفقره أرسل إليه الرسل ليربطوه بالمنهج الحق ، وليذكروه دائمًا بالله ، بالترغيب والبشارة تارة والترهيب والنذارة تارة أخرى فمن أطاعهم فله الجنة ومن عصاهم فله النار فقال الله عز وجل: )كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين (( 94)
وقال: جل شأنه )رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزًا حكيمًا (( 95)
وقال تعالى: )وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (( 96)
وخاطب الله نبيه محمد eبقوله: )يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا (( 97)
فمهمة الرسل واضحة جلية يبشرون الناس بمغفرة الله تعالى ورضوانه وجنته إن هم وفوا بعهده ولم ينقضوا ميثاقه وإن هم أطاعوه وأطاعوا رسله وصدقوهم وينذرونهم عقاب الله جل وعلا إن هم عصوه ونقضوا عهده وكفروا به تعالى وكذبوا رسله
)فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( أى فلا خوف عليهم من عذاب الدنيا الذى ينزل بالجاحدين ولا من عذاب الآخرة الذى أعده الله للكافرين ولا هم يحزنون في الدنيا أيضًا مما يحزن منه الكفار والفساق كفوات شهوات الدنيا ولذاتها ، أو لا يكون حزنهم كحزنهم في شدته وطول أمده ، فإنهم إذا عرض لهم الحزن يكون رحمة وعبرة مقرونًا بالصبر وحسن الأسوة ، فالإيمان بالله يعصمهم من إرهاق البأساء والضراء ومن بطر السراء والنعماء: ) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون ( أى والذين كذبوا بآياتنا التى أرسلنا بها الرسل يصيبهم العذاب في الدنيا أحيانًا ولاسيما عند الجحود والعناد وفى الآخرة بسبب كفرهم وإفسادهم(98)
رابعًا: إقامة حجة الله على الناس:
يقول الله عز وجل: )رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ( هكذا بجلاء ووضوح ولكنه - سبحانه وتعالى -"لم يبين هنا ما هذه الحجة التى كانت تكون للناس عليه - جل وعلا - لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة الرسل ولكنه بينها في سورة طه بقوله: ) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ( وأشار لها في سورة القصص بقوله: ) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (( 99) "
وقال سبحانه وتعالى: )وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا (( 100)
ويقيم الله جل وعلا الحجة على خلقه كذلك يوم القيامة فيأتى بكل رسول ليشهد على أمته بأنه قد بلغها رسالة ربه جل وعلا وبين لها وبشرها وأنذرها )فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا (( 101)
بل ولا ينكر أهل النار - عياذًا بالله - أن الرسل قد بلغوهم وأنذروهم وحذروهم ولكنهم كذبوا وعاندوا وأعرضوا عن الحق )وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقًا وهى تفور تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقًا لأصحاب السعير (( 102)
يا لها من تبعة ثقيلة بمقدار ما هى عظيمة
"إن مصائر البشرية كلها في الدنيا والآخرة سواء منوطة بالرسل وبأتباعهم من بعدهم ، فعلى أساس تبليغهم هذا الأمر للبشر تقوم سعادة هؤلاء البشر أو شقوتهم ويترتب ثوابهم أو عقابهم في الدنيا والآخرة إنه الأمر الهائل العظيم أمر رقاب الناس أمر حياتهم ومماتهم أمر سعادتهم وشقائهم أمر ثوابهم وعقابهم أمر هذه البشرية، التى إما أن تبلغ إليها الرسالة فتقبلها وتتبعها فتسعد في الدنيا والآخرة ، وإما أن تبلغ إليها فترفضها وتنبذها فتشقى في الدنيا والآخرة وإما ألا تبلغ إليها فتكون لها حجة على ربها وتكون تبعة شقائها في الدنيا وضلالها معلقة بعنق من كلف التبليغ فلم يبلغ !"
فأما رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - فقد أدوا الأمانة وبلغوا الرسالة ومضوا إلى ربهم خالصين من هذا الالتزام الثقيل وهم لم يبلغوها دعوة باللسان ولكن بلغوها- مع هذا - قدوة ممثلة في العمل ، وجهادًا مضنيًا بالليل والنهار لإزالة العقبات والعوائق وبقى الواجب الثقيل على من بعدهم على المؤمنين برسالتهم فهناك أجيال وراء أجيال جاءت وتجئ بعدهم وتبليغ هذه الأجيال منوط بأتباعهم ولا فكاك لهم من التبعة الثقيلة تبعة إقامة حجة الله على الناس وتبعة استنفاذ الناس من عذاب الآخرة وشقوة الدنيا (103)
خامسًا: تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق:
وأساس هذا المنهج الكريم هو ربط القلب البشرى بالله جل وعلا يرجوه ويخشاه، فينقاد لأوامره جل وعلا راجيًا رضاه وينتهى عن نواهيه ويقف عند حدوده يخشى سخطه وعذابه والله جل وعلا لم يأمر إلا بكل خير ولم ينه إلا عن كل شر )إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغى يعظكم لعلكم تذكرون (( 104)
ويقول سبحانه: )قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولوا كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون (( 105)
ووسيلة الأنبياء والرسل جميعًا - عليهم الصلاة والسلام - إلى تحقيق هذا المنهج التربوى الربانى العجيب من تزكية للنفوس وتهذيب للأخلاق هى"القدوة"نعم فهم هداة البشرية وهم معلموها وقادتها الذين يقودون سفينتها وسط هذه الرياح العاتية - رياح الشهوات والشبهات - إلى بر الإيمان والأمان !!