فهرس الكتاب
لأنه لا يكفى في هداية الناس أن يسمعوا كلمة الخير والحق والهدى تلقى إليهم مجردة - وفقط - كلا بل لابد أن يروها مجسدة في كيان بشرى يترجمها ويحولها إلى واقع ملموس وعمل مشاهد وعندئذ تكون التكاليف على الناس سهلة ميسورة في التحقيق والتطبيق )لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا (( 106)
بل ويأمر الله تعالى نبيه محمد e - أستاذ البشرية ومعلم الإنسانية - أن يقتدى بالأنبياء والرسل من قبله فيقول سبحانه: )أولئك الذين ءاتينهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قومًا ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده (( 107)
ألسنا نحن أحوج إلى هذا الأمر الجليل وإلى هذا الاقتداء الكريم ؟!
وهكذا تتضح لنا أبرز سمات هذا المنهج الكريم الذى يحدد بدقة مهمة الأنبياء ووظيفة المرسلين ومن ثم دور اتباعهم أيضًا الذين سيسلكون ذات الطريق فليس عليهم إلا أن يبلغوا الناس ويدعوهم إلى الله جل وعلا دون أن يستعجلوا النتائج والمصائر ولا أن يحاسبوا الناس لا في الدنيا ولا في الآخرة فهذا ليس من شأن العبيد - مهما كانوا - إنما هو من شأن العزيز الحميد (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)
فلنبدأ المسير على طريق الدعوة الطويل ، ولتكن نقطة البدء ولبنة الأساس لدعوتنا هى العقيدة التى كانت نقطة البدء ولبنة الأساس في دعوة جميع الأنبياء والمرسلين
الخاطرة الرابعة
نقطة البدء
ذكرت في الخاطرة الماضية أن دعوة الأنبياء والرسل على مدى التاريخ البشرى كله كانت تستهدف أمرًا واحدًا ألا وهو رد البشرية الضالة إلى ربها جل وعلا وهدايتها إلى طريقه وتربيتها منهاجه وإخراجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ظلمات الشرك والإلحاد إلى أنوار التوحيد والإيمان ، وتزكية نفوس أبنائها وتهذيب أخلاقهم
وكانت نقطة البدء على هذا الطريق الطويل ولبنة الأساس الأولى في هذا البناء الضخم الكبير هى دعوة الناس إلى التوحيد الشامل إلى عبادة الله وحده لا شريك له إلى العقيدة الصحيحة الصافية
ولذا كانت الصيحة الأولى لكل نبى ورسول هى: )أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت(
بدأ بها نوح - عليه السلام -: )ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه إنى لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (( 108)
وبدأ بها هود - عليه السلام -: )وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (( 109)
وبدأ بها صالح - عليه السلام -: )وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره (( 110)
وبدأ بها شعيب - عليه السلام - )وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره (( 111)
وبدأ بها لبنة تمامهم ومسك ختامهم محمد e وظل يدعو إليها في مكة وحدها ثلاثة عشر عامًا وأكد النبى e على أن هذه القضية الكبيرة قضية العقيدة يجب أن تكون نقطة البدء أيضًا على طريق الدعوة الطويل لكل داعية صادق يحمل منهج الأنبياء والمرسلين
لذا كانت أول وصية لرسول الله e أوصى بها أول داعية له إلى اليمن - معاذ بن جبل - t
ففى الحديث الصحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى e قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:"إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله"وفى رواية أخرى في الصحيح:"إنك ستأتى قومًا أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (112)
فلتكن هذه القضية الكبيرة - قضية العقيدة - هى أساس دعوة الناس إلى الإسلام كما كانت هى أساس دعوتهم إليه أول مرة ولا ينبغى أن تصدنا هذه المقولة الخبيثة التى تقول: إن الناس في الماضى كانوا مشركين فلزم أن تكون العقيدة - حينئذ - هى أول ما ينبغى أن يدعوا إليه
ولكن الناس اليوم والحمد لله مسلمون يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله فما الداعى أذن لدعوة الناس إلى التوحيد إلى العقيدة إلى لا إله إلا الله ؟!
والجواب أن قضية التوحيد لا يدعى إليها الكفار وحدهم لكى يؤمنوا بها ويصححوا اعتقادهم من خلالها بخلع رداء الكفر أو الشرك والدخول فيها
ولكن يدعى إلى قضية التوحيد أيضًا المؤمنون بها والمعتنقون لها والمستمسكون بها لكى تظل حية في قلوبهم راسخة في ضمائرهم عاملة في واقع حياتهم ، لا يفترون عنها أبدًا ولا يغفلون عن مقتضياتها وإن أعظم دليل على ذلك قول الله جل وعلا: )يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا (( 113) هكذا يدعى أهل الإيمان إلى الإيمان
ولقد علم أعداؤنا جيدًا أن الجذور الحقيقية التى تضمن البقاء والسيادة والعزة لهذه الأمة في الأرض هى العقيدة فراحوا بخبث ودهاء يضعون الحواجز والسدود بين المسلمين وبين عقيدتهم الصافية الخالصة - من ناحية - ويشوشون عليها لتعكير صفائها من ناحية أخرى فوقع المسلمون قرونًا ماضية في هذا الخط العجيب وهذا الانفصام النكد وبخاصة في هذه الأيام التى تذبح فيها العقيدة على أيدى أبنائها الذين ابعدوا كثيرًا عن حقيقتها ومقتضياتها ومن مظاهر هذا الخلط العجيب والأنفصام النكد أننا نرى صنفًا من الناس يردد كلمة التوحيد وهو لا يفهم لها معنى ولا يعرف لها مضمونًا ولا يقف لها على مقتضى !
ونرى صنفًا آخر من المسلمين يردد كلمة التوحيد وقد انطلق حرًا طليقًا يختار لنفسه من المناهج والأوضاع والنظم والقوانين الوضعية ما يشاء ويختار !
ونرى صنفًا ثالثًا يردد كلمة التوحيد وقد قسم حياته إلى قسمين:
قسم يتعلق بأمور العبادات وهنا يسمح لكلمة التوحيد أن تفك من أسرها وأن تخرج من سجنها !
وقسم يتعلق بأمور الحياة وشئونها ولا وجود هنا لكلمة التوحيد !
فما علاقة التوحيد والسياسة ؟!
وما دخل العقيدة بنظام الحكم ؟!
وما دخل العقيدة بالنظام الاقتصادى والاجتماعى ؟!
والإسلام أسمى من أن نخرجه من بيوت العبادة لنزج به في سياسة الإعلام أو التعليم أو السياحة !!!
ونرى صنفًا رابعًا يردد كلمة التوحيد وقد ترك الصلاة وضيع الزكاة ، وتفنن في أكل أموال الناس بالباطل وأكل الربا ، وشرب الخمر ، ومارس الزنا ، بل ومنهم من يرددها وهو يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف !!
تناقض رهيب وانفصام مخوف يزيد القلب التقى كمدًا وحزنًا وحسرة على ما وصل إليه حال كثير من الناس من سوء فهم لقضية العقيدة ، والله جل وعلا يقول: )يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة (( 114)
"أى بمجموع حياتكم ، بحيث لا يشذ عن سلطانه شئ ولا يند عن دائرة نفوذه جزء من أجزائها ، فلا يكن من شأنكم في ناحية من نواحى حياتكم أن تتجردوا من عبوديته الشاملة فتحسبوا أنفسكم أحرارًا في شؤونكم تختارون من المناهج والأوضاع ما تريدون أو تتبعون من النظم والقوانين الوضعية المستحدثة ما تحبون" (115)
ومن خلال هذا الواقع المر الأليم نرى الحاجة ماسة وملحة لتعليم المسلمين العقيدة الصحيحة الصافية صفاء السماء التى جاء بها النبى e وظل يربى عليها أصحابه لا في مكة وحدها بل في المدينة كذلك لأن قضية العقيدة لا تذكر لفترة من الزمن ثم تترك للحديث عن قضايا أخرى كلا بل إن قضية العقيدة أصل ينتقل"معه"إلى غيره فهى قضية دائمة دوام البشر
إذن فليست قضية العقيدة أو التوحيد مجرد كلمة - فقط - ترددها الألسنة دون أن تستقر في القلوب أو تخبر عن نفسها في دنيا الواقع !!