فهرس الكتاب

الصفحة 1189 من 2255

ومن أبسط الأمثلة على ذلك أنه لو أصيب إنسان بصداع شديد في رأسه ووصف له الطبيب دواء"الأسبرين"مثلًا فهل يعقل أن يذهب المريض إلى بيته ويستلقى على فراشه مكتفيًا بأن يقول:"أسبرين أسبرين"ولا يعقل إطلاقًا أن تقف كل جاهليات الأرض موقف الصد والأعراض والعناد والحرب لقضية التوحيد لمجرد أنها كلمة!!

فالتوحيد الذى يجب علينا أن نبدأ من جديد لدعوة الناس إليه دين شامل ومنهج حياة كامل

فهو - أى التوحيد - يتضمن من الكفر بالطاغوت والآلهية والأرباب والأنداد ومن توحيد الربوبية والآلهية والأسماء والصفات ومن الولاء والبراء ومن كمال الذل وكمال الحب لله ومن تجريد العبادة إلى الله تعالى وحده ما يجعل العبد موحدًا حقًا

نعم هذا كله تتضمنه كلمة التوحيد (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)

فهى نفى وإثبات:

نفى للآلهة التى تعبد من دون الله وصرف العبادة في جميع صورها الظاهرة والباطنة إلى من يستحق العبادة جل وعلا ومن صرف شيئًا منها لغير الله فقد وقع في الشرك )واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا(

وهى - أى كلمة التوحيد - نفى للأنداد يقول عز وجل: )فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون( ، واتخاذ الند على قسمين الأول: أن يجعل الند شريكًا لله في أنواع العبادة وهذا شرك أكبر

والثانى: ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل: ما شاء الله وشئت وقد ثبت في الحديث أن رجلًا قال لرسول الله e: ما شاء الله وشئت فقال الرسول:"أجعلتنى لله ندًا بل قل ما شاء الله وحده" (116)

وفى الحديث الصحيح أنه e قال:"من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار (117) "

وهى نفى للأرباب التى عبدت من دون الله جل وعلا من صنف من الناس قال الله عز وجل عنه: )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله (( 118)

يقول العلامة الألوسى - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية:"الأكثرون من المفسرين قالوا: ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم ، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم"

بل وفسرها النبى e بنفسه لعدى بن حاتم tلما جاء مسلمًا فقرأ النبى e هذه الآية: )اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله ( قال: عدى فقلت: إنهم لم يعبدوهم فقال: عليه الصلاة والسلام:"بلى إنهم حرموا عليهم الحلال ، وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم"(119)

وهى - أى كلمة التوحيد - كفر بالطواغيت والطاغوت: كل ما عبد من دون الله )فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم(

وهى - أى كلمة التوحيد - إثبات لتوحيد الربوبية ، وهو إفراد الله تعالى وحده بالخلق والأمر والملك والرزق والتصريف والتدبير )ألا له الخلق والأمر (( 120) "وانتظام أمر العالم كله وإحكام أمره من أول دليل على أن مدبره إله واحد وملك واحد ، ورب واحد، لا إله للخلق غيره ولا رب لهم سواه" (121)

وهى إثبات لتوحيد الألوهية وهو إفراد الله تبارك وتعالى وحده بجميع أنواع العبادة من التأله والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والتسليم والاستقامة إلخ وهذا الذى بعثت به الرسل ولأجله انزلت الكتب وخلقت الجنة والنار فالدين كله هو عبادة الله وطاعته وحده والخضوع له وحده والمحبة له وحده ، جل وعلا وهى الغاية التى خلق الله الخلق من أجلها )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (( 122)

وهى - أى كلمة التوحيد - إثبات لتوحيد الأسماء والصفات وهى أفراد الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا التى أثبتها الله تعالى لنفسه وأثبتها له عبده ورسوله محمد والإيمان بها على الوجه الذى أراد الله ورسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل )ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (( 123)

وهذا الباب من أعظم أبواب التوحيد وأشرفها

وهى - أى كلمة التوحيد - ولاء وبراء

هذا المفهوم الضخم الذى غاب في حس المسلمين مع غياب فهمهم الصحيح لحقيقة التوحيد - إلا من رحم ربك - مع أنه لا يمكن بحال أن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لله ولرسوله والمؤمنين والبراءة من الشرك والمشركين )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين (( 124)

"إن المفاضلة واجبة بين كل مسلم وبين كل من يرفع راية غير راية الإسلام إن المسلم مأمور بأن لا يخلط بين منهج الله وبين أى منهج آخر وضعى لا في تصوره الاعتقادى ولا في نظامه الاجتماعى ولا في كل شأن من شئون حياته وإن الفوارق بين الإسلام والكفر لا يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة أو المصانعة أو المداهية وإن الذين يحاولون تمييع هذه المفاضلة الحاسمة باسم التسامح أو التقريب بين الأديان أو التعايش السلمى يخطئون في فهمهم للدين الإسلامى وفهمهم لمعنى التسامح الذى يقره الإسلام" (125)

ورحمه الله ابن القيم حيث يقول في نونيته (126) :

حبا له !! ماذاك في الإمكان

أين المحبة ؟! يا أخا الشيطان

على محبته بلا نقصان

خلافك ما يحب فأنت ذو بطلان

أتحب أعداء الحبيب وتدَّعى

وكذا تعادى جاهدًا أحبابه

شرط المحبة أن توافق من تحب

فإن إدعيت له محبة مع

وهى - أى كلمة التوحيد - إثبات لحاكمية الله وحده

فمع غياب المفهوم الصحيح الشامل لقضية التوحيد ، غاب هذا المبدأ الكبير الذى هو من أخص خصائص الألوهية ونحى المسلمون - إلا من رحم ربك - شريعة الله جل وعلا وأحلوا محلها القوانين الوضعية الفاجرة

استبدلوا بالعبير بعرا وبالثريا ثرى وبالرحيق المختوم حريقا !!

مثلهم كمثل الجعل يتأذى من رائحة المسك والورد والفواح ويسعد بل ويحيا برائحة القذر في المستراح !!

وظن كثير من السذج والبلهاء والمخدوعين أن شرع البشر من ملاحدة وزنادقة وعلمانيين وشيوعين وديمقراطيين وغيرهم ممن تتحكم فيهم الأهواء وتسيطر عليهم الشبهات والشهوات ، ظنوا أن تشريع هؤلاء هو قارب النجاة وسط هذه الرياح الهوجاء والأمواج العاتية والظلمات الحالكة التى يترنح الناس فيها كترنح من يتخبطه الشيطان من المس وخاب الجميع وخسروا !!

)ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (( 127)

ومن ذا الذى يجرؤ على ادعاء أنه يشرع للناس ويحكم فيهم خيرًا مما يشرع الله لهم ويحكم فيهم ؟ وأية حجة يملك أن يسوقها بين يدى هذا الإدعاء العريض ؟ أيستطيع أن يقول: إنه أعلم بالناس من خالق الناس ؟

أيستطيع أن يقول: إنه أرحم بالناس من رب الناس ؟

أيستطيع أن يقول: إنه أعرف بمصالح الناس من إله الناس ؟

أيستطيع أن يقول: إن الله سبحانه وهو يشرع شريعته الأخيرة ويرسل رسوله الأخير ويجعل رسوله خاتم النبيين ، ويجعل رسالته خاتمة الرسالات ، ويجعل شريعته شريعة الأبد ، كان سبحانه يجهل أن أحوالًا ستطرأ وأن حاجات ستجد ، وأن ملابسات ستقع، فلم يحسب حسابها في شريعته أنها كانت خافية عليه - سبحانه - حتى انكشفت للناس في آخر الزمان" (128) ؟!"

)أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون (( 129) فالأصل الذى يجب على البشرية أن ترجع وتفئ إليه هو دين الله وحكم الله منهجه للحياة فإما أن نحتكم إلى الله وإما أن نحتكم إلى الطاغوت وقد أمرنا الله أن نكفر به !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت