فهرس الكتاب

الصفحة 1190 من 2255

ويبقى بعد هذا كله الركن الثانى لكلمة التوحيد وهو شهادة أن محمدًا رسول الله e فهى الأخرى ليست مجرد كلمات نرددها ونتغنى بها وننسج لها القصائد والمدائح والأشعار ونقيم لها الحفلات في المناسبات والأعياد ثم ينتهى الأمر عند هذا الحد أيضًا ولا تتحول هذه الشهادة الكريمة في حياتنا إلى واقع وسلوك بل وتجاوز الأمر ذلك فظهر علينا ممن يتكلمون بألسنتنا ويلبسون زينا - من بنى جلدتنا - من يتطاول على سنة إمام الهدى ومصباح الدجى - بأبى هو وأمى e- ووالله لا يتم إيمان إلا بالإنقياد الكامل والأذعان المطلق لرسول الله e: )فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيها شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما (( 130) نعم إنه شرط الإسلام وحدَّ الإيمان ، وتقتضى هذه الشهادة الكريمة ، تصديقه e في كل ما أخبر ، وطاعته في كل ما أمر ، والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر ، ومحبته صادقة متمثلة في اتباعه واقتفاء أثره والسير على طريقه دون غلو أو إطراء )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله (( 131)

ومن كمال العبودية لله والمحبة لرسول الله e أن نميز بين حقوق الله تعالى التى لا يجوز بحال صرفها لغير الله وبين حقوق رسول الله e

وكل هذه الجزئيات تحتاج إلى تفصيل وتوضيح ليس هذا محله (132)

وبعد فهذا هو التوحيد الذى جاء به محمد e هذا هو التوحيد الذى من أجله خلقت السموات والأرض والجنة والنار هذا هو التوحيد الذى عليه أسست الملة، ونصبت القبلة ، وجردت سيوف الجهاد هذا هو التوحيد الذى لا سبيل إلى السعادة في الدنيا والفوز برضوان الله جل وعلا في الآخرة إلا به

ألم أقل لكم إن التوحيد الذى نريد أن ندعو إليه من جديد دين كامل ومنهج شامل يظلل كل نواحى الحياة حتى في أدق أمورها وأخص خصائصها ؟!

وبعد هذا الفهم المتكامل لقضية العقيدة والتوحيد - وبعده فقط - ندرك أهمية"نقطة البدء"وخطورة"لبنة الأساس"وعليه فأى بناء يقام بغير هذا البداية ودون هذه اللبنة فإنه بناء خائر وسينهار حتمًا يومًا ما وإن طال زمنه !!

ومن هذا المنطلق - فقط - ندرك أن من الخطأ البين أن تكون نقطة البدء على طريق دعوتنا الطويل ولبنة الأساس الأولى في هذا البناء الضخم الكبير هى الصدام مع السلطة

هذا خطأ كبير فادح أسطره بدمى وقلبى وعقلى وروحى لأحذر منه زهور الأمة المتفتحة وأمل الأمة المنشود ومستقبل الأمة المشرق شباب الصحوة المباركة التى تجرى محبة الإسلام في دمائهم وعروقهم الذكية وتملأ عليهم وجدانهم وكيانهم ويتمنون بصدق أن لو بذلوا هذه الدماء لتروى شجرة الإسلام وتعلو راية التوحيد وتقوم دولة الإيمان

وأنقل لكم كلامًا رائعًا للرجل الذى قدم قلمه وفكره وعقله ودمه للإسلام لتقوم دولته في الأرض من جديد مرة أخرى إنه صاحب الظلال - رحمه الله تعالى - حيث يقول:"إنه ابتداءً يجب توجيه الحرص كله لإقامة القاعدة الصلبة من المؤمنين الخلص الذين تصهرهم المحنة فيثبتون عليها ، والعناية بتربيتهم تربية إيمانية عميقة تزيدهم صلابة وقوة ووعيًا ، ذلك مع الحذر الشديد من التوسع الأفقى قبل الاطمئنان إلى قيام هذه القاعدة الصلبة الخالصة الواعية المستنيرة ، فالتوسع الأفقى قبل قيام هذه القاعدة خطر ماحق يهدر وجود أية حركة لا تسلك طريق الدعوة الأولى من هذه الناحية ولا تراعى طبيعة المنهج الحركى الربانى الذى سارت عليه الجماعة الأولى على أن الله سبحانه وتعالى هو الذى يتكفل بهذا لدعوته فحيثما أراد لها حركة صحيحة عرض طلائعها للمحنة الطويلة وأبطأ عليهم النصر ، وقللهم ، وبطأ الناس عليهم حتى يعلم منهم أن قد صبروا وثبتوا وتهيأوا وصلحوا لأن يكونوا هم القاعدة الصلبة الخالصة الواعية الأمنية ثم ينقل خطاهم بعد ذلك بيده سبحانه والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (133)

ثم يقول الشيخ سيد قطب - رحمه الله تعالى - في شهادته التى هزت الوجدان:"وتفكيرنا الذى انتهينا إليه من ناحية منهج الحركة وضرورة بدئه من شرح حقيقة العقيدة قبل النظام والشريعة ومن التكوين الفردى قبل التنظيم الجماعى ، ومن عدم محاولة فرض النظام الإسلامى عن طريق إحداث إنقلاب من القمة وبالذات عدم إضاعة الجهد بالتدخل في الأحداث السياسية الحالية الجارية" (134)

ويقول الشيخ أبو الأعلى المودودى - رحمه الله تعالى - في كتابه القيم"منهاج الانقلاب الإسلامى":"فالدولة لا تتكون إلا وفق ما يتهيأ لها من العوامل الفكرية والخلقية والمدنية في المجتمع كما قلت فكما لا يمكن أن تكون الشجرة منذ أول أمرها إلى أن يتم نماؤها شجرة كمثرى أو ليمون مثلًا ثم إذا آن أوان إثمارها انقلبت شجرة تفاح أو رمان ! كذلك الدولة الإسلامية فإنها لا تظهر دولة إسلامية بطريقة خارقة للعادة بل لابد لإيجادها وتحقيقها من أن تظهر أولًا حركة شاملة مبنية على نظرية الحياة الإسلامية وفكرتها وعلى قواعد وقيم خلقية وعملية توافق روح الإسلام وقوائم طبيعية يقوم بأمرها رجال يظهرون استعدادهم التام للاصطباغ بهذه الصبغة المخصوصة من الإنسانية ويسعون لنشر العقلية الإسلامية ويبذلون جهودهم في بث روح الإسلام الخلقية في المجتمع هذا هو الطريق للإنقلاب الإسلامى والسبيل الفطرية لتحقيق فكرة الدولة الإسلامية" (135)

ثم يقول الشيخ المودودى - رحمه الله - ذلك صراحة في كتابه القيم:"واجب الشباب المسلم اليوم"يقول:"أيها الأخوة الكرام أود أن أوجه إليكم نصيحة الختام وهى أن لا تقوموا بعمل جمعيات سرية لتحقيق الأهداف ، وأن تتحاشوا استخدام العنف والسلاح لتغيير الأوضاع لأن هذا الطريق أيضًا نوع من الاستعجال الذى لا يجدى بشئ ومحاولة للوصول إلى الغاية بأقصر طريق ، إن هذا الطريق أسوأ عاقبة وأكثر ضررًا من كل صورة أخرى وإن الانقلاب الصحيح السليم قد حصل في الماضى وسيحصل كذلك في المستقبل بعمل علنى واضح وضوح الشمس في رابعة النهار فعليكم أن تنشروا دعوتكم علنًا وتقوموا بإصلاح قلوب الناس وعقولهم بأوسع نطاق وتسخروا الناس لغاياتكم المثلى بسلاح من الخلق العذب والشمائل الكريمة والسلوك الحسن والحكمة البالغة ومثل هذا الانقلاب لا يمكن لأى قوة معادية أن تقف في وجهه وأقول إن هذه الأمة لا يصلح أخرها إلا بما صلح به أولها أما إذا استعجلتم الأمر وقمتم بعمل الانقلاب بوسائل العنف ثم نجحتم في هذا الشأن إلى حدٍ ما فسيكون مثله كمثل الهواء الذى دخل من الباب ليخرج من النافذة" (136)

ومن الخطأ البين كذلك أن تكون نقطة البدء عن طريق دعوتنا الطويل ولبنة الأساس الأولى في هذا البناء الضخم الكبير هى التوقف لإصدار الأحكام على الناس بالإسلام أو الكفر وهذه مزلة كبيرة خشى الخوض فيها علماء الأمة وفقهاؤها وحكمنا عليهم - أى على الناس - ليس هو الذى سيدخلهم الجنة أو النار ، فليس هذا من شأن العبيد ولكنه من شأن العزيز الحميد جل وعلا فهو وحده المتصرف في شأنهم وشأن الكون كله )يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابًا أليما (( 137)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت