فهرس الكتاب

الصفحة 1191 من 2255

وهذا هو شيخ الإسلام والمسلمين القائم ببيان الحق ونصرة الدين ، الذى أضحك الله به من الدين ما كان عابسا وأحيا به من السنة ما كان دارسا ، ابن تيمية - رحمه الله تعالى - يقول في مجموعه المبارك:"إنى من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين (138) إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليهم الحجة الرسالية التى من خالفها كان كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى ، وإنى أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية وما زال السلف يتنازعون في كثير من المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية وكنت أبين أن ما نقل عن السلف والأئمة من"إطلاق"القول بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حق ، لكن يجب التفريق بين الاطلاق والتعيين وهذه أول مسئلة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهى مسئلة"الوعيد"فإن نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله: )إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما( الآية وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة وهى بمنزلة قول من قال من السلف من قال كذا: فهو كذا ثم الشخص المعين يلتغى حكم الوعيد فيه: بتوبة أو حسنات ماحية ، أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول e، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام ، أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده ، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا وكنت دائمًا - وما زال الكلام لشيخ الإسلام - أذكر الحديث الذى في الصحيحين في الرجل الذى قال:"إذا أنا مت فأحرقونى ثم اسحقونى ثم ذرونى في اليم فوالله لإن قدر الله علىَّ ليعذبنى عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين ففعلوا به ذلك فقال الله ما حملك على ما فعلت قال خشيتك: فغفر له""

فهذا رجل شك في قدرة الله وفى إعادته إذا ذرى به اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك

والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول e أولى بالمغفرة من مثل هذا" (139) انتهى كلام شيخ الإسلام وحسنة الأيام عليه من الله الرحمة والرضوان وجمعنا به مع سيد النبيين في الفردوس الأعلى - أعلى الجنان - بمنه وكرمه إنه رحيم رحمان ومع هذا كله فإننا لا نملك أن نقيم حد الردة على من ارتد منهم فعلًا عن الإسلام فنحن دعاة واجبنا أن نؤدى الأمانة الكبيرة والتبعة الثقيلة التى حملنا إياها بالبلاغ والبيان والبشارة والنذارة وأن نبين للناس ما غاب عنهم من حقائق وأصول هذا الدين في غربة الإسلام الثانية والله جل وعلا يخاطب نبيه e بقوله: )فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب("

وبعد ذلك ، فإنه يجب علينا جميعًا أن نتحرك بسرعة في غاية الرحمة والحكمة والشفقة والتواضع لنعلم الناس حقيقة التوحيد الذى أراده الله من خلقه وجاء به رسوله محمد ولا نقف مكتوفى الأيدى ونكتفى - فقط - بإصدار الأحكام عليكم بالكفر أو الإيمان

ومع ذلك فلا ينبغى أن نظن أن الطريق هين لين مفروش بالزهور والورود والرياحين كلا ولكنه طريق طويل طويل حافل بالعقبات والأشواك ومن الحكمة قبل أن نخطوا أن نتعرف على هذه العقبات لنتزود لها بالزاد الذى يناسبها حتى لا ننزلق في أى منعطف من المنعطفات أو يتوقف بنا المسير عند اصطدامنا بعقبة من العقبات وهى كثيرة كثيرة فلنتعرف عليها في الخاطرة التالية

الخاطرة الخامسة

عقبات على طريق الدعوة

إن طريق الدعوة طريق الأنبياء والمرسلين وطريق العلماء العاملين ، والدعاة الصادقين ليس طريقًا هينًا لينًا ولا مفروشًا بالزهور والورود والرياحين كلا إنه طريق وعر شاق طويل ملئ بالعقبات مخضب بالدماء محفوف بالابتلاء

ومن الحكمة قبل أن نواصل السير على هذا الطريق أن نكون على بصيرة تامة بوعورته ومشقته وعقباته الكثيرة لنعد له الزاد الحقيقى الذى يناسبه ، حتى لا ننزلق في أى منعطف من المنعطفات أو نصطدم بعقبة من العقبات التى ستعترض طريقنا، ولا أدرى بأيها أبدأ ، لاسيما وقد اجتمعت !!

وأهم هذه العقبات - في نظرى - ما يلى:

أولًا: عقبة أعداء الإسلام في الخارج والداخل

ثانيًا: الهزيمة النفسية أمام تحديات الغزو الفكرى

ثالثًا: كثرة أهل الباطل وظهورهم ، وقلة أهل الحق وابتلاؤهم

رابعًا: حب الدنيا وكراهية الموت

خامسًا: اتباع الهوى

ولا شك أن الحديث عن هذه العقبات طويل بطول المعركة !! ولكننى سأحاول اختصاره في هذه السطور ، ولنبدأ بالحديث عن العقبة الأولى

العقبة الأولى

أعداء الإسلام في الخارج والداخل

وهى من أخطر العقبات التى ستعترضنا - وبشدة - على طول الطريق فإن الإسلام منذ أن بزغ فجره وأشرق نوره ، في أرض الجزيرة ، وهو مستهدف من قبل أعدائه الذين لا يتفقون على شئ ، قدر اتفاقهم على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين ! ولم يدعو سبيلًا إلا وسلكوه للوصول إلى أهدافهم الخبيثة ومن أهم هذه السبل ما يلى:

أولًا: القضاء على الحكم الإسلامى متمثلًا في الخلافة:

وأسجل - هنا - بكل حسرة ومرارة أنهم قد نجحوا بالفعل في القضاء على الخلافة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة في أوائل هذا القرن على يد العميل الخائن لدينه ولأمته - كمال أتاتورك - في معاهدة الذل والعار - معاهدة لوزان - عام 1922م

وكانت بنود هذه المعاهدة التى اشترطها ووضعها"كرزون"وزير خارجية انجلترا هى كما يلى:

أولًا: إلغاء الخلافة"الإسلامية"إلغاءً تامًا وطرد الخليفة - السلطان عبد الحميد ، رحمه الله تعالى - خارج الحدود ومصادرة أمواله

ثانيًا: إعلان علمانية الدولة أى"فصل الدين عن الدولة"

ثالثًا: أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية

رابعًا: أن يستبدل الدستور العثمانى القائم على الإسلام بدستور مدنى وضعى بحت

ووقع المعاهدة عن دولة الخلافة المهزومة العميل الخائن"عصمت إينونو"الذى أعلن هو وأستاذه في الخيانة - أتاتورك - قولتهما الخطيرة:"إننا سنطيح برأس كل خليفة يحاول أن يدخل أنفه في أمور الدولة أو يفكر في ذلك"

وواصل المجرم - أتاتورك - فصول جريمته بدقة وإحكام ففى عام 1925م أصدر قانونًا يقضى بإلغاء الزى الإسلامى واستبداله بالزى الغربى ووجوب لبس القبعة التى كانت رمزًا أجنبيًا واستبدال تحية الإسلام (السلام عليكم ورحمة الله) بخلع القبعة أو بالانحناء كما يفعل أربابه الغربيون !!

ولم يكتف بهذا المسخ الماحق للهوية الإسلامية ، ففى عام 1928م أصدر قانونًا أخر بإلغاء تدريس العلوم الشرعية وأن يرفع الآذان باللغة التركية - وليس بالعربية !! - وتسوية المرأة بالرجل في الميراث ، وإلغاء نظام تعدد الزوجات ، واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية وألغى يوم الجمعة كعطلة رسمية وجعل بدلًا منه"يوم الأحد"!! ولم يترك فرضًا من فروض الولاء والطاعة لأسياده وأربابه الغربيين إلا وقدمه راكعًا ساجدًا ذليلًا مهانًا - لا أحسن الله إليه - وهكذا رُفعت مظلة الخلافة وتمزقت الأمة وتشتت شملها - ولا زال - ولا حول ولا قوة إلا بالله !!

ثانيًا: القضاء على القرآن الكريم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت