فهرس الكتاب
وهذه العقبة - بلا ريب - من أخطر العقبات التى ستواجهنا على طريق الدعوة وإنكار وجودها ليس حلًا كلا بل يجب أن نعترف ابتداءً بأنها تعصف بقلوب كثير من المسلمين ، لننطلق انطلاقة صحيحة للقضاء على هذه العقبة - الهزيمة النفسية أمام تحديات الغزو الفكرى - وذلك بغرس العقيدة الصحيحة الشاملة من كفر بالطواغيت والأنداد والأرباب والآلهة وصرف العبادة بجميع أجزائها لله جل وعلا وحده ، ومن ولاء وبراء ولاء لله ولرسوله وللمؤمنين وبراء من الشرك والمشركين ، ورد المسلم إلى هويته وانتمائه ليعتز بهذا الدين العظيم وليرفع رأسه وصوته بقولة فاروق الأمة - عمر بن الخطاب - t:"لقد كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله"وأن يكون على يقين أن دولة الإسلام وإن مرضت واعتراها الركود إلى فترات طويلة فإنها لا تموت بإذن الله !! وبالعودة مرة أخرى إلى كل ميادين الحياة لتحويلها إلى واقع عملى حىّ يشهد للإسلام والمسلمين شهادة عملية وذلك بإعداد الكوادر المسلمة المتخصصة المتقنة في كل مواقع العمل وميادين الإنتاج وليس هذا بغريب علينا ولا بمستحيل بل نحن أصل هذه الحضارة ولا ينكر ذلك إلا جاهل بالتاريخ، ولكن الغرب في الوقت الذى تخلينا فيه نحن عن حضارتنا كان هو يسابق الزمن في الأخذ عنها والاستفادة منها
العقبة الثالثة
كثرة أهل الباطل وظهورهم
وقلة أهل الحق وابتلاؤهم
وهذه - ولا شك - من أخطر العقبات وأشد الفتن التى تواجه أهل الحق فهم يرون إقبال الدنيا على المبطلين ويرونهم ناجحين مرموقين ، تهتف لهم الدنيا ، وتصفق لهم الجماهير ، وتصاغ لهم الأمجاد ، وتذلل لهم الصعاب ، وتيسر لهم الأسباب ، وتفتح لهم الأبواب في الوقت الذى يتعرض فيه أهل الحق للأذى والفتن والابتلاء حقًا إنها فتنة كبيرة قد تعصف بالقلوب القلقة !
ولا يثبت لها إلا أصحاب القلوب الحية السليمة العامرة بالإيمان واليقين فالدعوة إلى الله جل وعلا أمانة عظيمة لابد لأهلها من إعداد خاص وهذا الإعداد لا يتم أبدًا إلا بالصبر الجميل على جميع الفتن والابتلاءات ، ولا يتم إلا بالاستعلاء على جميع الآلام ، والثقة المطلقة في نصر الله جل وعلا لأهل الحق وإن كانوا قلة فليست الكثرة دليلًا على الحق أبدًا لاسيما بعد إنقضاء القرون الثلاثة الأولى الفاضلة بل ما ذكر الله الكثرة إلا وذمها وما ذكر القلة إلا ومدحها
فقال سبحانه: )وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله (( 146)
وقال سبحانه: )وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (( 147)
وقال سبحانه: )فأبى أكثر الناس إلا كفورا (( 148)
وقال تعالى: )إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (( 149)
وقال تعالى: )لقد جئناكم بالحق ولكن أكثرهم للحق كارهون (( 150)
وقال سبحانه: )وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (( 151)
وقال تعالى: )يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم كافرون (( 152)
وقال سبحانه: )إن في ذلك لأية وما كان أكثرهم مؤمنين (( 153)
قال تعالى: )يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (( 154)
وذكر الله جل وعلا القلة ومدحها وأثنى عليها فقال سبحانه وتعالى: )وقليل من عبادى الشكور (( 155)
وقال جل شأنه: )إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم (( 156)
وقال تعالى: )وما آمن معه إلا قليل (( 157)
وقال تعالى: )فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم (( 158)
وقال سبحانه: )ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا (( 159)
بل وفى الحديث الصحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبى قال:"عرضت علىّ الأمم فرأيت النبى ومعه الرهط والنبى ومعه الرجل والرجلان والنبى وليس معه أحد" (160)
فلا ينبغى أن نغتر بالكثرة الهالكة وأن نحتقر القلة السالكة لطريق الحق والهدى، ورحم الله الحسن البصرى إذ يقول:"السُنة والله الذى لا إله إلا هو بين الغالى والجافى فاصبروا عليها رحمكم الله فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقى"
وهى الفئة الغالبة المنصورة بإذن الله ، قال تعالى: )كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله (( 161)
وفى الحديث الصحيح عن معاوية t قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون على الناس" (162)
وفى رواية لمسلم عن عقبة بن عامر tأنه e قال:"لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على الحق لا يضرهم من خالقهم حتى تأتيهم الساعة"
نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هذه القلة المؤمنة السالكة لطريق الحق والخير والهدى أنه ولى ذلك ومولاه
العقبة الرابعة
حب الدنيا وكراهية الموت
إنه الداء العضال الذى حذر منه النبى - e - أمته ولكن وقع ما حذر منه رسول الله وأصبحنا نعيش عصرًا طغت فيه الماديات والشهوات بصورة عارمة صرفت كثيرًا من"المسلمين"عن الآخرة ، وراحوا يعمرون دنياهم وليتهم مع ذلك عمروا أخراهم بل امتلأت قلوبهم حرصًا وطمعًا وجبنًا وتخلوا عن الدعوة إلى الله عز وجل وجبنوا عن الجهاد في سبيل الله ، بل أصبحوا - هم - في أمس الحاجة إلى دعوة بدلًا من أن يكونوا - هم - أصحاب الدعوة ورافعوا لوائها !!
والحق أنه من يوم أن تمكن هذا الداء في الأمة - إلا من رحم ربك - ذلت الأمة وهانت على جميع الأمم بل وتجرأ عليها الذليل قبل العزيز والضعيف قبل القوى والقاصى قبل الدانى وقد بين ذلك - أوضح بيان - من لا ينطق عن الهوى في حديث ثوبان t ، عن رسول الله e قال:"يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ، قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة ، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقالوا: وما الوهن ، قال: حب الدنيا وكراهية الموت" (163)
وهذه العقبة الخطيرة تحتاج من الدعاة جهدًا كبرًا وزادًا من الإخلاص والقدوة والصبر لا ينفد ولا ينتهى ، لتذكرة الناس بحقيقة الدنيا وإلا فكيف تدعو أناسًا لبذل المال والمهج والأرواح في سبيل الله تربع حب الدنيا على عروش قلوبهم وخلدوا إلى الأرض والوحل والطين فلابد - ابتداءً - أن نعرفهم حقيقة دنياهم وأنها ليست نهاية المطاف كلا بل إنها دار ممر والآخرة هى دار المقر )يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هى دار القرار (( 164)
وأنها مهما طالت فهى قصيرة ، ومهما عَظُمت فهى حقيرة ، لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر ، ولأن العمر مهما طال فلابد من دخول القبر )وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كان يعلمون (( 165)
ويبين النبى e حقارتها في الحديث الصحيح يوم أن مَّر بالسوق والناس كنفتيه (166) ، فمر بجدى أسَك (167) مَيَّتٍ فتناوله فأخذ بإذنه ثم قال:"أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم ؟ فقالوا: ما نُحبُ أنه لنا بشئ وما نصنعُ به ؟! ثم قال: أتحبون أنه لكم ؟ قالوا: والله لو كان حيًَّا كان عيبًا فيه لأنه أسكٌ فكيف وهو ميت فقال: فوالله للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم" (168)
ورحم الله من قال:
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريقُ والليالى متجر الإنسان والأيام سوق
ولتحويل هذه المعانى إلى واقع - من جديد - يحتاج إلى جهاد طويل وصبرٍ مرير
العقبة الخامسة
اتباع الهوى