فهرس الكتاب
وهذه هى القاصمة التى تصمُّ الآذان عن سماع الحق وتعمى الأبصار عن رؤية الدليل ولو كان صحيحًا )ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله (( 169) ولخطورة هذا الداء العضال حذر الله جل وعلا منه نبيًا كريمًا من أنبيائه فقال سبحانه: )يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (( 170)
نعم فالهوى مِلك عَسُوف ، وسلطان ظالم ، دانت له القلوب وانقادت له الجوارح - إلا من رحم ربك -
وكل امرئ يدرى مواقع رشده
يشير عليه الناصحون بجهدهم
هوى نفسه يعميه عن قصد رشده
ولكنه أعمى أسيرُ هواهُ
فيأبى قبول النصح وهو يراهُ
ويبصر عن فهمٍ 0 عيوبَ سواه
ورحم الله من قال:
فهذه العقبة الخطيرة من أعظم التحديات التى تواجه الحركة الإسلامية في هذه الظروف الحرجة ، وما يقع من فصائل العمل الإسلامى خير شاهد على ما نقول ، وهذا واقع مر لا يغفل عنه إلا من حبس نفسه في مكتب مكيف أو جلس يُنَّظرُ للحركة من برج عاجى !!
فما زلنا نرى من أبناء الحركة الإسلامية من إذا تكلم عن جماعته التى ينتمى إليها ويدعو لها تغاضى عن جميع أخطائها ولو بُين له ذلك بالدليل من القرآن والسنة الصحيحة، وعارض نور الضُحى بنور السُّهى وظل يبرر ويبرر حتى تصل أخيرًا هذا الأخطاء - أحيانًا - إلى محاسن !
فجماعته هى جماعة المسلمين ، وهى وحدها التى على الحق وما عداها من الجماعات فهى على الباطل (171) ، وكل ما تفعله جماعته فهو شرعى وكل ما يصدر عنها فهو الصواب ، وكل تاريخها أمجاد ، وكل رجالها وقاداتها ملائكة !!
فإن تحدث عن شيخه أو أميره في الجماعة ، بالغ مبالغة كبيرة ، فشيخه هو الأوسع علمًا ، والأقوى حُجة ، والأنصع دليلًا ، وإن قال شيخه قولًا صار حجةً لا ينبغى أن تناقش ، وإن أفتى شيخه فتوى صارت مُلزمةً لا ينبغى أن تُرد ، بل وقد يوالى ويعادى إخوانه عليها ، علمًا بأن الله تعالى ما تعبدنا بقول فلان أو فلان من العلماء والأئمة كلا، إنما تعبدنا بما جاء في القرآن الكريم وما صح عن رسوله الأمين e وكل عالم أو إمام يؤخذ منه ويُرد عليه إلا المعصوم e فهو وحده الذى يؤخذ منه ولا يرد عليه )وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحىُ يوحى(
ومن أجمل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية - طيب الله ثراه - قوله:"وصاحبُ الهوى يُعميه الهوى ويصمٍّه ، فلا يستحضر مالله ورسوله في ذلك ، ولا يطلبه ولا يرضاه بهواه ، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ، ويكون مع ذلك معه شبهة دين: أن الذى يرضى له ويغضب له أنه السَّنة ، وأنه الحق ، وهو الدين ، فإذا قدر أن الذى معه ، هو الحق المحض دين الإسلام ، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هى العليا ، بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ، ليُعظم هو ويثنى عليه ، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا ، أو لغرض من الدنيا لم يكن لله ، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله فكيف إذا كان الذى يَّدعى الحق والسنة هو كنظيره ، ومعه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة ؟!" (172)
وهذه العقبة الخطيرة - اتباع الهوى - تحتاج من الدعاة إلى صبر طويل وإلى جهاد مرير لهوى النفس وشهواتها والاستعلاء على رغباتها طاعة لله وطمعًا في رضاه وهذا لا يكون إلا بالتجرد والإخلاص والعمل ابتغاء مرضاة الله جل وعلا ، بغض النظر على لسان من أُعلنت كلمةُ الحق ما دامت كلمةُ الحق ستقال ، وبغض النظر عن من الذى سيرفع راية الإسلام ما دامت راية الإسلام ستظل مرفوعة خفاقة عالية تعانق كواكب الجوزاء ، وبغض النظر عن مكاننا على طريق الدعوة هل هو في مكان الصدارة والقيادة أم هو في المؤخرة بين صفوف الجنود ما دام عملنا على طول الطريق خالصًا لله جل وعلا نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا وأقوالنا موافقة لمرضاته إنه على كل شئ قدير
وبعد - فيا أيها الأحبة - هذه هى بعض العقبات التى ستعترض مسيرنا المبارك على طريق الدعوة الشاق الطويل ، فتعالوا بنا لنتزود بالزاد الذى ينير لنا هذا الطريق حتى لا نصطدم في عقبة من هذه العقبات ، أو ننزلق في أى منعطف من المنعطفات ، ودعونا ابتداءً نحدد لمن يكون هذا الزاد ؟!
الخاطرة السادسة
لمن يكون الزاد ؟
نعم فلأى صنف من الدعاة يكون هذا الزاد ؟ لأن الدعاة صنفان:
الأول: دعاة على أبواب جهنم
الثانى: دعاة على أبواب الجنة
وليس هذا التصنيف من عند أنفسنا ولكنه تصنيف من لا ينطق عن الهوى - بأبى هو وأمى - e
ففى الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان tقال: كان الناس يسألون رسول الله e عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى ، فقلت: يا رسول الله ، إنا كنا في جاهلية وشرًّ ، فجاء الله بهذا الخير ، فهل بعد هذا الخير من شرًّ؟
قال: نعم
قلت: وهل بعد هذا الشر من خير ؟
قال: نعم وفيه دخن
قلت: وما دخنه ؟
قال: قوم يهدون بغير هديى ، تعرف منهم وتنُكر
قال: فهل بعد ذلك الخير من شر ؟
قال: نعم ، دُعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها
قلت: يا رسول الله ، صفهم لنا
قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا
فقلت: فيما تأمرنى إن أدركنى ذلك ؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم
قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟
قال:"فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضًّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (173) ولمسلم نحوه ، وفيه قلتُ:"ما دخُنه؟ قال: قوم لا يستنون بسنتى وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك ، وأخذ مالك فاسمع واطع" (174)
فزادنا الذى نقدمه في الخواطر المقبلة إلى هذا الصنف المبارك إلى الدعاة إلى الله عز وجل ، الذين وصفهم النبى e في الحديث الصحيح عن معاوية tقال: سمعت رسول الله e يقول:"لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون على الناس" (175)
إن هذا الزاد لهؤلاء الدعاة الربانيين الذين وقفوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم وأفعالهم
إنهم الدعاة الصادقون الذين يتحركون بدعوتهم خالصة إلى الله عز وجل ، من منطلق فهم صحيح لقول الله جل وعلا: )قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين(
فهم لا يدعون إلى قومية أو عصبية !
ولا يدعون إلى دنيا أو جاه !
ولا يدعون إلى مصلحة أو مغنم !
ولا يدعون لتملق أو هوى !
ولا يدعون لكرسى زائل أو منصب فان !
ولا يدعون لجماعة بعينها أو إمام بذاته !
بل جماعتهم هى جماعة المسلمين ، ومنهجهم هو القرآن والسنة ، وإمامهم هو إمام الهدى ومصباح الدُّجى محمد e ، وطريقهم هو طريق السلف رضوان الله عليهم
إنهم الناصحون المصلحون
إنهم الداعون إلى تحرير البشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة
إنهم المنادون بتخليص الأمة من عصابة الطواغيت التى استبدت بها فغيرت للأمة دينها وعكرت عليها دنياها وأخراها
إنهم قادة سفينة الإنقاذ بقوة وجدارة في وسط هذه الرياح الهوجاء والأمواج المتلاطمة العاتية
إنهم الشموع التى تحترق لتضئ للناس طريق الهدى والحق والنور
إنهم وعى الأمة المستنير
إنهم فكر الأمة الحر
إنهم قلب الأمة النابض
إنهم أطباء القلوب المريضة ، والنفوس الجريحة
إنهم قادة الأمة الذين تتجمع عليهم القلوب وتتآلف حولهم النفوس