فهرس الكتاب
وبعد فإن هذه الفتن وتلك العقبات التى تعترض طريق الدعاة إلى الله عز وجل السائرين على طريق الدعوة من أبناء هذا الجيل المبارك ، تحتاج إلى زاد كبير فهيَّا لنتزود به لمواصلة السير على هذا الطريق الشاق الطويل وهذا هو ما نقدمه لكم في الخواطر المقبلة
الخاطرة السابعة
زاد على طريق الدعوة
أول الزاد تقوى وإخلاص
قال الله عز وجل: )وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولى الألباب (( 187)
وقال تعالى: )وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء (( 188)
ولا يعرف قدر هذا الزاد - التقوى والإخلاص - إلا من يعانى مشقة الطريق ووعورته ، وتؤذيه أشواكه التى تتجاذبه تارة وينجو منها تارة أخرى بفضل الله جل وعلا
فهناك على الطريق أشواك الشبهات والشهوات
وهناك أشواك المطامع والمطامح
وهناك أشواك المخاوف والهواجس والفتن
والزاد الذى يكشف عن هذه الشبهات والشهوات ويستعلى بصاحبه عن هذه المطامع والمطامح ويزيل هذه المخاوف والهواجس ، ويثبت صاحبه عند الفتن ، ويثبت الأقدام على هذا الطريق الطويل - وسط هذه الأشواك - دون توقف أو انحراف إنما هو التقوى والإخلاص
"وأصل التقوى": أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه ، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه" (189) "
وحدُّ التقوى الذى حدهَّ عبد الله بن مسعود tهو:"أن يطُاع الله - سبحانه وتعالى - فلا يعصى ، ويُذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر" (190)
وعرفها طلقُ بن حبيب فقال: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله (191)
وجاء سائل لأبى هريرة tيسئله عن التقوى فقال أبو هريرة:"هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال السائل: نعم ، قال - أبو هريرة - فكيف صنعت ؟ فقال - السائل- إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه قال أبو هريرة: ذاك التقوى"
فأخذ ابن المعتز هذا المعنى الكبير وترجمه في هذه الأبيات المعبرة فقال:
خِّل الذنوبَ صغيرها وكبيرها فهو التُّقَى
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة ، إن الجبال من الحَصَى
ولذا كانت التقوى وصية الله للأولين والآخرين كما في قوله جل وعلا: )ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله (( 192)
قال العلامة الفيروزآبادى عقب هذه الآية:"يُفهم منها أنه لو كانت في العالم خَصْلةُ هى أصلح للعبد ، وأجمع للخير ، وأعظم للأجر ، وأجَلَّ في العبودية ، وأعظمَ في القدر، وأولى في الحال وأنجحَ في المال من هذه الخصلة لكان الله سبحانه أمر بها عباده وأوصى خواصه بذلك لكمال حكمته ورحمته"
فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة جميع الأولين والآخرين من عباده واقتصر عليها: عَلمِنا أنها الغاية التى لا مُتجاوز عنها ، ولا مُقتصر دونها وأنه عز وجل قد جمع كلَّ محض نُصح ودلالة وسُنةٍ وتأديب وتعليم وتهذيب في هذه الوصية الواحدة وقوله تعالى: )إنما يتقبل الله من المتقين ( يُشعرُ بأن الأمر كله راجع إلى التقوى"(193) "
وكانت التقوى وصية رسول الله e لجميع أمته كما في حديث العرباض بن سارية tوغيره (194)
ولم يزل السلف الصالح y يتواصَوْن بها وما أجمل ما أوصى به ابن السماك أخًا له قائلًا: أما بعد أوصيك بتقوى الله الذى هو نَجيُّك في سريرتك ورقيبك في علانيتك فاجعل الله من بالك على كل حالك في ليلك ونهارك ، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك وأعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ولا من مُلكه إلى مُلك غيره فليعظم منه حذرك ، وليكثر منه وَجلُك ، والسلام
ورحم الله من قال:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل علىَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
فإن جاذبتنا بعض أشواك الطريق ، ووقع منا تفريط في التقوى ، فتركنا مأمورًا وفعلنا محظورًا - وهذا واقع - فلابد أن تسرع بالتوبة وأن نمحوا السيئة بالحسنة كما قال الله عز وجل: )وأقم الصلاة طرفى النهار وزُلفًا من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (( 195)
بل ولقد وصف الله المتقين في القرآن الكريم وأخبرنا أن من صفاتهم أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم بمعصية من المعاصى الكبيرة أو الصغيرة ، تذكروا الله عقب وقوعها فاستغفروه وتابوا إليه في الحال من غير إصرار ولا استكبار فقال سبحانه وتعالى: )وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (( 196)
ولذا كانت وصية النبى e لمعاذ بن جبل tبعد التقوى أن يمحو السيئة بالحسنة إن وقعت السيئة كما في الحديث
"اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها وخالق الله بخلق حسن" (197)
ومن زاد التقوى إلى زاد الإخلاص فإن الإخلاص هو سر قبول الأعمال ومفتاح القلوب للداعية
وقد يكون عملُ الداعية جليلًا عظيمًا كبيرًا في أعين الناس وهو عند الله جل وعلا حقير لا وزن له وله قيمة لأن صاحبه ما ابتغى به وجه الله تعالى
وكذلك قد يكون عمل الداعية صغيرًا حقيرًا في أعين الناس وهو عند الله عظيم لأن صاحبه ابتغى بعمله وجه الله جل وعلا
والنبى e يقول:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (198)
فليس هناك على النفس شئ أشق من الإخلاص لأن الإخلاص هو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك ولا يدخل هنا العمل الطاهر - فقط - بل وأعمال القلوب أيضًا
والله جل وعلا لا يقبل من الأعمال إلا ما كان له خالصًا ، ففى الحديث القدسى الجليل ، عن أبى هريرة tعن النبى e قال: قال الله تعالى:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملًا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه" (199)
ولفظ ابن ماجه:"فأنا منه برئ وهو للذى أشرك"وفى حديث أبى هريرة الطويل أن النبى e قال:"إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلُ استشهدُ فأتى به فعرَّفه نِعَمَهُ ، فعرفها قال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشُهدت قال: كذبت ولكنك قاتلت ، لأن يُقال: جرئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها، قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ، ليقُال: عالمُ ، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئ فقد قيل ، ثم أمر به فَسُحِب على وجهه حتى ألقى في النار ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال: كذبت ولكنك فعلت ليقال: هو جواد ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار" (200)