فهرس الكتاب

الصفحة 1290 من 2255

أما العبث الواقع في ترتيب لأعمال على تنزيلات باطلة والتي تعكس خطورة مثل هذه التنزيلات فكثيرة أضرب مثلا منها، يقول أحمد بن أبي العينين في أثناء نقده لصاحب كتاب هرمجدون:

(وقد اجتهدوا في ترويج هذا بين المسلمين حتى جعلوا الناس ينتظرون المهدي ويرتبون أمورهم على ظهوره، حتى أمورهم الدنيوية، فقد كان بعض الأخوة يرتب ليشتري سيارة لتجارته، فلما قرأ كتاب هرمجدون أجل شراءها لأن الحرب أيام المهدي ستكون على الخيل، فخاف أن يشتري السيارة ولا ينتفع بها، ولعل قائلا يقول: لعل أمثال هؤلاء فهموا غير ما أراد أصحاب هذا الاعتقاد، فأقول: إن أمين محمد جمال الدين يسره مثل هذا، فقد قال في رد السهام ص43 يحكي أقوال خصومه: وقال آخر:"سمعت أن هناك من أخذ في شراء فرس وسيف استعدادا للملاحم والسنوات القادمة"فقال أمين:"لو أن ما قاله أخونا الأخير صحيح، والناس تأثروا بالكتاب إلى درجة الاستعداد العملي بشراء فرس وسيف فقد نجح الكتاب في توصيل رسالته إلى الناس، وهذا توفيق من الله) 48."

3-تهيئة الجو لتصديق دعاة الضلالة:

إن من مساوئ هذه الكتابات المنحرفة في هذا الباب تهيئة الجو لمدعي المهدوية مثلا، إذ هي تلح على الناس أن يعتقدوا أن الزمان زمانه، وأن ظهوره وخروجه وشيك، فإذا ظهرت دعوة من هنا، أو ظهر دعي من هناك وجد له أتباعا يصدقونه ويتبعونه ويَدّعون له ما ادعاه لنفسه، وقد تكون لمثل هذه الكتابات المنحرفة أثر في تكثير أولئك الأتباع، بل إن في طيات هذه الكتابات أحيانا تجريئا للأدعياء لادعاء ما ليس لهم، تأمل في قول محمد عيسى داود: (سبحان الله قد يكون كتابي هذا باعثا لأن يعرف المهدي نفسه، أو يشك في أنه هو، ثم لا يحقق ويصرف النظر حتى يأذن الله) 49، فتأمل كيف جعل كتابه معرفا للمهدي بنفسه، أو على أسوأ الأحوال سيشككه في أنه هو، والله المستعان.

4-الاستغلال السيئ وتحقيق الأغراض الشخصية:

إن كثيرا ممن انحرف في هذا الباب إنما انحرف ليتخذ من هذه النصوص الشرعية سلما يتوصل بها لتحقيق منفعة شخصية فمنهم من ينزل هذه النصوص على نفسه فيدعي أنه المهدي وهم كثر ليحقق رياسة وشهرة أو يدعي أنه المسيح الذي ينزل في آخر الزمان، أو يزعم ذلك لمحبوب له، أو رئيس ليُحصل من ورائه شيئا، يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم:

(وقد يحاول أعداء الإسلام استغلال فكرة المهدية للتوصل إلى مآربهم الخبيثة، ومقاصدهم الشريرة بأمة الإسلام، كما فعل اليهودي الزنديق عبدالله بن سبأ، والمهدي الملحد عبيدالله بن ميمون القداح، وعلي محمد الشيرازي(ت1850م) الذي ادعى أنه باب المهدي المنتظر ثم ترقى فادعى أنه المهدي نفسه، ثم قرر موافقة لطائفته نسخ دين الإسلام، وشيوع المرأة، والمال، وإلغاء التكاليف، وكان يسانده، ويسلحه الإنكليز والروس، وبعد إعدامه سنة 1266هـ، ادعى حسين علي الملقب ببهاء الله إلغاء الأديان، وأنه هو مظهر الله الحقيقي، وأن جميع الأنبياء إنما جاءو ليبشروا به، ومن المعلوم أن البهائية كانت عميلة للإنكليز والروس وربيبة للصهيونية العالمية، ومن هذا الصنف غلام أحمد القادياني الذي ادعى أنه المجدد، ثم المهدي، ثم المسيح الموعود، ثم النبي المستقل، وكان للإنكليز دور ضالع في نصرته وتأييد دعوته)50.

5-تكذيب الله ورسوله:

قد تكون هذه التنزيلات محل فتنة لأقوام حسنوا الظن بأصحاب هذه التنزيلات وظنوا أن الآيات والأحاديث دالة قطعا على ما زعموه، فإذا انكشف المستور، وبان الخطأ عاد أولئك المفتونون على نصوص الشرع فحسبوا أن الخطأ لاحق بها، بل صادر عنها، والحق أن الخطأ خطأ من نزل لكن ما كل أحد يعي، والله المستعان، والحال مع هذه التنزيلات كالحال فيما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن فإذا ادعي أن الشيء الفلاني مما يدل عليه القرآن وهذه الدلالة من أوجه إعجازه، ثم بان أن الأمر الفلاني باطل وأن العلم لا يساعد على تصحيحه كان ذلك حاملا للبعض على التكذيب بالقرآن والعياذ بالله.

وقد لا يصل الأمر إلى تكذيب الله ورسوله لكن يكون سببا في ضلال البعض، أو انتكاسته من بعد هداية، إذا أن عملية التنزيل وربط الأحاديث بالأحداث مما قد يقرب البعض إلى الله ويكون سببا في هدايتهم وإدخالهم في جو إيماني يتعلق فيه العبد بربه، فإذا بطل السبب وبانت الأمور بطل المسبب أحيانا، فعاد أولئك إلى ما كانوا عليه، نسأل الله الثبات على الدين، والعزيمة في الأمر.

6-تسليط المخالفين:

إن في مثل هذه الأخطاء في عملية التنزيل تجريئا لكثير من المخالفين وتسليطا لهم على أصل الدين، زاعمين أن بطلان هذه التنزيلات دليل بطلان هذا الدين، فلا يفرقون بين نسبة الخطأ إلى الأفراد ونسبته للدين، فيجعلون أخطاء أولئك المنزلين أخطاء ينسبونها إلى الدين، وكم سمع من كفرة حاقدين، أو علمانيين ظالمين شامتين، استهزاء بالدين من جراء ممارسات هؤلاء وسخافاتهم، ففي صنائع القوم تسليط لأولئك على هذا الدين من حيث أرادوا نصره وكم من مريد للخير لا يدركه، فصح فيهم ما قيل في غيرهم، لا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا، بل سلطوا أعدائه عليه، والله المستعان.

7-تعطيل النص عن مقصوده:

إن للنص صورة في الواقع هي المقصودة بهذا النص، فإذا نزل النص على واقعة أخرى غير مرادة للنص كان في ذلك تعطيلا للنص عن مقصوده وما وضع له أصلا، ونقلا لحكمه على واقعة غير مراده، فإذا حكم لفلان أنه المهدي وجعلت نصوص المهدي فيه كان في ذلك رفعا لمهدوية المهدي الحقيقي، فالمخطئ في هذا الباب مخطئ مرتين، مخطئ حين نزل النص على واقعة غير مرادة، ومخطئ برفع دلالة النص عن الواقعة المرادة، يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم: (إن المهدي شخص واحد لا يتكرر، والتصديق بمدعي المهدية يستلزم التكذيب بالمهدي الحقيقي، ومن ثم وجب الفحص والتحري قبل قبول دعوى المهدي، ومن لوازم هذا الفحص استقراء أحوال مدعي المهدية، واستنباط ضوابط تضبط تعاملنا مع مدعي المهدية، وكيف نميز الصادق من الكاذب) 51، وأجر هذا الكلام على جميع الأشراط والآيات والله أعلم.

معالم ومنارات

لا بد منها لمريدي تنزيل النصوص على الواقع

لهذا المبحث هو أم هذا البحث وأصله، ومقصوده الأول، وهو عبارة عن بعض القواعد والمعالم والضوابط النافعة المستخرجة عن طريق تتبع أقوال أهل العلم وتصرفاتهم في القديم والحديث في تعاملهم مع نصوص الفتن والأشراط وكيف كانوا يمارسون عملية التنزيل، وهي تجلي لنا البون الشاسع بين تصرفاتهم رحمهم الله المنضبطة بأصول الشرع، وممارسات أولئك العابثين من المتأخرين، والله المستعان، وهي في مجملها راجعة إلى قضيتين كليتين عند أهل السنة والجماعة، أعني بهما مصدر التلقي عندهم، ومنهج الاستدلال، فإلى شيء من هذه المعالم:

المعلم الأول: الاقتصار على نصوص الوحيين في الاستدلال

إن من منة الله على أهل الإسلام، أن وحد لهم مصدرهم في التلقي، فلا تذبذب ولا اضطراب في تلقي التصورات والأفكار والعقائد من هنا وهناك بل مصدر تلقي العقائد كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن من تطلب الهداية بعيدا عن هذين الأصلين فهو الواقع في شَرَك الضلال والعياذ بالله، يقول ابن أبي العز:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت