فهرس الكتاب
(فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ويظن أن ذلك حسن، وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبين ما يخالفه فله نصيب من ذلك، بل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كاف كامل، يدخل فيه كل حق، وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه) 52.
ومن تأمل في جملة من الكتب المصنفة في الفتن والملاحم وأشراط الساعة في القديم والحديث يلحظ أنها لا تقتصر في الاستدلال على هذين المصدرين وإنما لها مصادر متعددة تتلقى منها وتصدر عنها، وهذه سمة بارزة في كتب أولئك العابثين من المتأخرين، خذ مثلا هذه العبارة لمحمد عيسى داود قال في كتابه احذروا ص183:
(قد يسأل قارئي الحبيب: وكيف اهتديت إلى كل هذه المعلومات بلا مصادر؟
وأقول: بل هناك مصادر، فالقراءة الواعية، ثم استقراء الأحداث، ورفع درجات حدة الحدس والاستبصار ثم التدبر، والتأمل -ثم يصف هذه المصادر بأنها-: جهاز استقبال لخواطر يمكن أن يقف أمامها التحليل العلمي والفلسفة عاجزين، وكثير من فكري ومضات من البرق واستنارات فجائية إن لم أتداركها بالتسجيل والتدوين تصبح بددا بلا بقاء)53.
وقال أيضا ص141: (والحقيقة أن ما صرح به دان شمرون معتمدا على معلومات أكيدة من رجال المسيخ بالكنيست الإسرائيلي، أو مستنبطا من وثائق سرية لنبوءات حقيقية بالتوراة المخبوءة، وهو مطابق أو قريب جدا لحساباتي، وحدسي، واستبصاري الذي استلهمت فيه إيماني بالله واستقرأت ما بين السطور في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نبي البشرية الأمين، ولو كره ذلك الأغبياء والضالون) 54.
تأمل في هذا المزيج.. القراءة الواعية.. استقراء الأحداث.. حدة الحدس.. الاستبصار.. التدبر.. التأمل.. جهاز استقبال.. ومضات من البرق.. استنارات فجائية.. دان شمرون.. رجال المسيخ في الكنيست.. وثائق سرية لنبوءات حقيقية بالتوراة المخبوءة.. حسابات.. حدسي.. استبصاري.. ما بين السطور في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.. لتعلم بعضا مما يتكئ عليه القوم في كلامهم على الحوادث المستقبلية وما سيكون.
ويمكن أن نفصل الكلام حول جملة من المصادر فيما يلي:
* موقوفات الصحابة:
إن الناظر في كتب الحديث والآثار سيقف قطعا على جملة وافرة من الآثار الموقوفة على الصحابة في باب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، فما هو الموقف الشرعي من تلك الأقوال وهل يصح الاحتجاج بها أم لا، وهل من تفصيل في ذلك؟
يقول الحافظ ابن حجر:
(والحق أن ضابط ما يفسره الصحابي رضي الله عنه إن كان مما لا مجال للاجتهاد فيه ولا منقولا عن لسان العرب فحكمه الرفع وإلا فلا، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص الأنبياء، وعن الأمور الآتية كالملاحم والفتن والبعث وصفة الجنة والنار والإخبار عن عمل يحصل به ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص، فهذه الأشياء لا مجال للاجتهاد فيها فيحكم لها بالرفع.
قال أبو عمرو الداني:"قد يحكي الصحابي رضي الله عنه قولا يوقفه، فيخرجه أهل الحديث في المسند، لامتناع أن يكون الصحابي رضي الله عنه قاله إلا بتوقيف، كما روى أبو صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يجدن ريح الجنة..."لأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فيكون من جملة المسند) إلى أن قال الحافظ: (إلا أنه يستثنى من ذلك إذا كان المفسر له من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من عرف بالنظر في الإسرائيليات، كمسلمة أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وغيره، وكعبدالله بن عمرو بن العاص، فإنه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة حتى كان بعض أصحابه ربما قال له: حدثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحدثنا عن هذه الصحيفة، فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور التي قدمنا ذكرها الرفع، لقوة الاحتمال والله أعلم) 55."
ومن عرف قدر الصحابة علما وفقها وديانة وتقى علم أن الأصل في كلامهم مما لا يكون من قبيل الرأي والاجتهاد أن يكون متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يستثنى من هذا الأصل بعض خبرهم مما يحتمل أن يكون متلقى عن مصدر آخر احتمالا قويا بحيث يجعل خبره مترددا محتملا هل تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو مما أباح النبي صلى الله عليه وسلم التحدث به من أخبار أهل الكتاب، يؤكد هذا المعنى ما صح عن أبي غالب مثلا قال: رأى أبو أمامة رؤوسا منصوبة على درج مسجد دمشق، فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه ثم قرأ: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا أو أربعا حتى عد سبعا ما حدثتكموه. 56
وعن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سيكون خليفة تقصر عن بيعته الناس، ثم يكون نائبه من عدو، فلا يجد بدا من أن يسير بنفسه، فيظهر على عدوه، فيريده أهل العراق على الرجوع إلى عراقهم، فيأبى ويقول: هذه أرض الجهاد فيخلعونه ويولون عليهم رجلا، فيسيرون إليه حتى يلقوه بالحص جبل خناصرة، فيبعث إلى أهل الشام، فيجتمعون له على قلب رجل واحد فيقتلهم بهم قتالا شديد، حتى أن الرجل ليقوم على ركائبه فيكاد يعد رجال الفريقين، ثم ينهزم أهل العراق فيطلبونهم حتى يدخلونهم الكوفة، فيقتلونهم بكل من أطاق حمل السلاح منهم، فيهزمهم ويقتلون من جرت عليهم المواسي) ، قيل لأبي أسماء: ممن سمعه ثوبان أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فممن إذا؟!57.
ومما يدل على ما ذكر من استثناء من روى عن أهل الكتاب من الصحابة من هذه القاعدة من تصرفات أهل العلم قول الحافظ ابن كثير في حديث مروي عن عبدالله بن عمرو بن العاص في شأن الدابة وطلوع الشمس من مغربها:
(وهذا غريب جدا، ورفعه فيه نكارة، ولا بد أنه من الملزمتين اللتين أصابهما عبدالله بن عمرو يوم اليرموك من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء غرائب) 58، فتأمل كيف أعل الحديث مرفوعا لغرابته، وجعله من حديث عبدالله بن عمرو المتلقى عن أهل الكتاب.
ومع ذلك ينبغي أن يعلم أن الموقوفات التي جاءت عمن أخذ عن أهل الكتاب من الصحابة أحسن حالا وأقوى من الخبر الإسرائيلي المحض، ولعل هذا هو السبب في تسامح بعض أهل العلم في هذه القاعدة فيحكمون لموقوفهم بحكم الرفع خاصة إن لم تظهر قرينة تدل على أنه متلقى عن أهل الكتاب كنكارة أو غرابة أو مخالفة لحديث مرفوع، أو ظهرت قرينة تدل على أنه متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم كموافقة الحديث لحديثه صلى الله عليه وسلم ومن أمثلة صنيعهم هذا:
قال العز بن عبدالسلام معلقا على أثر عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه الموقوف: (يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام) : (ومثل هذا لا يقال إلا توقيفا) 59، لقيام الاحتمال المذكور والله أعلم.
وقد حكم الشيخ حمود التويجري رحمه الله لجملة من موقوفات عبدالله بن عمرو في هذا الباب بالرفع فانظر إتحاف الجماعة 2/79، 2/114، وحكم لبعض موقوفات أبي هريرة بالرفع فانظر 3/121 / 3/124، 3/216.