فهرس الكتاب

الصفحة 1292 من 2255

وقال الشيخ الألباني عقب أثر ساقه عن أبي هريرة في شأن عيسى بن مريم وما يقع منه ويقع في زمانه فقال: (وهو وإن كان موقوفا فهو في حكم المرفوع، لأنه من المغيبات التي لا تقال بمجرد الرأي لا سيما وأكثره قد جاء مرفوعا كما تقدم) 60 والشيخ ممن يرى أن أبا هريرة ممن يروي الإسرائيليات، ولا يحكم بالرفع لبعض موقوفاته لهذه العلة.

والمسألة تحتاج إلى تحقيق أوسع وتتبع لأقوال أهل العلم وتصرفاتهم في هذا الباب وماذا يقبلون من مروياتهم في المغيبات وماذا يردون، هل هي الأخبار السابقة واللاحقة وأحوال الجنة والنار وما يتصل بعالم الملائكة والجن وما يتصل بالرب جل وعلا مثلا أم أن الأمر يقتصر على جوانب من هذه دون جوانب، ومما ينبغي الاعتناء به أيضا تحقيق القول في أولئك الصحابة ممن نسب إليهم مثل هذا كأبي هريرة، وابن عباس، وعبدالله بن سلام، وسلمان الفارسي، وعبدالله بن عمرو، فإن أبا هريرة مثلا مع شهرة نسبة هذا الأمر إليه وحمل كثير من موقوفاته عليه صح عنه أنه حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت وإني لا أراها إلا الفارة إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت) قال أبو هريرة: فحدثت كعبا، فقال: أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقوله، قلت: نعم، قال لي مرارا، فقلت: أفأقرأ التوراة.61، قال الحافظ ابن حجر معلقا: (قَوْلُهُ:(فَقُلْت أَفَأَقْرَأ التَّوْرَاة) هُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار , وَفِي رِوَايَة مُسْلِم أَفَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاة , وَفِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة لَمْ يَكُنْ يَأْخُذ عَنْ أَهْل الْكِتَاب , وَأَنَّ الصَّحَابِيّ الَّذِي يَكُون كَذَلِكَ إِذَا أَخْبَرَ بِمَا لَا مَجَال لِلرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد فِيهِ يَكُون لِلْحَدِيثِ حُكْم الرَّفْع)62، وليس المقصود هنا الفصل في المسألة ولا الترجيح وإنما التنبيه إلى أهمية العناية بهذا المبحث والله أعلم.

وختام هذه المسألة مثال من موقوفات صحابي مما نزله أهل العلم على الواقع، عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يكون رجل من ولدي بوجهه شين، يلي فيملأها عدلا، قال نافع: ولا أحسبنه إلا عمر بن عبدالعزيز.63

*الإسرائيليات:

من تأمل كتب هؤلاء العابثين بأشراط الساعة، يلحظ أن من القواسم المشتركة بين أكثرها اشتراكها في كثرة النقل عن أهل الكتاب ومن ثم يبنون أحكاما وتقريرات وتنزيلات وفق هذه النصوص الإسرائيلية، ويعد هذا سببا من أسباب وقوع مثل هذه الكتابات في دائرة الانحراف، خذ مثلا ما قاله فاروق الدسوقي في كتابه القيامة الصغرى على الأبواب 16: (ولما شعرت بخطر شخصية السفياني، وعظم الأحداث والفتن التي تعاصره، رجعت للكتاب المقدس، لكي أجمع كل النصوص التي تتحدث عنه أو جلها، وتفسيرها في ضوء القرآن الكريم) إلى أن يقول: (وإذا بجميع هذه النصوص والأخبار عن هذه الشخصية في الوحيين القديم والخاتم، تتطابق مع واقع الرئيس العراقي المعاصر من حيث الصفات والأحداث) 64.

فالجميع وحي، هذا وحي قديم وهذا وحي جديد، والجميع مؤهل للأخذ عنه، والرجوع إليه، بل إن الأمر يتجاوز ببعضهم هذا إلى النقل عن كتب تفسير نصوص الإسرائيليات المتقدم منها والمتأخر فمن ذلك مثلا ما اعتمده سعيد أيوب في كتابه المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى من كتب كتفسير دانيال للايرنسايد، وتفسير أشعيا لناشد حنا، وتفسير حزقيال لرشاد فكر، ولذا فلا نعجب بعد ذلك أن يصبغ بعض المؤلفين في هذا الباب كتابهم بهذه الصبغة (الإسرائيلية) أو (التوراتية) ، ويتخيرون لها من الأسماء المصبوغة بهذه الصبغة كلفظة (هرمجدون) مثلا، بل إن الأمر تجاوز هذا أيضا إلى العناية بنصوصهم تلك وتنزيلها هي على الواقع، خذ مثلا صنيع فاروق الدسوقي في كتابه القيامة الصغرى على الأبواب 183 حيث أورد نصا من الكتاب المقدس عند النصارى فقال: (قال يوحنا اللاهوتي في الإصحاح السابع عشر من رؤياه:(فرأيت امرأة جالسة على وحش قرمزي مملوء أسماء تجديف له سبعة رؤوس وعشرة قرون، والمرأة كانت متسربلة بأرجوان ومتحلية بذهب وحجارة كريمة ولؤلؤ، ومعها كأس من ذهب في يدها مملوءة رجاسات ونجاسات زناها...) ثم قال معلقا 185:

(فالرؤوس السبعة هم أعضاء مجلس الأمن، خمسة منهم موجودون، واثنان سيلحقان بالمجلس من بعد، هما ألمانيا واليابان، كما ذكرنا من قبل، وأحدهما هو الذي سبق ذبحه وشفي، ولعله اليابان الذي ذبحته القنبلة الذرية، وشفاؤه هو تقدمه وازدهاره الاقتصادي، وعشرة قرون هم الأعضاء غير الدائمين بالمجلس) 65.

وقال أيضا ص 449:

(جاء في سفر أرميا:(كيف صارت بابل دهشا في الشعوب طلع البحر على بابل فتغطت بكثرة أمواجه صارت مدنها خرابا أرضا ناشفة وقفرا، أرضا لا يسكن فيها إنسان ولا يعبر فيها ابن آدم، وأعاقب بيل في بابل، وأخرج من فمه ما ابتلعه فلا تجري إليه الشعوب بعد، ويسقط سور بابل أيضا) قال معلقا: (ليس لقوله:(وأعاقب بيل في بابل) سوى معنى واحد، وهو بيل كلينتون رئيس أمريكا)66 فمثل هذا التعامل مع تلكم النصوص مما يدل على أن القوم لم يعرفوا ما يتعلق بأخبار أهل الكتاب من أحكام وأصول شرعية تضبط عملية الرواية عنهم والأخذ، فلم يُغلَق هذا الباب بالكلية، ولا فُتِح على مصراعيه يدخله من شاء كيف ومتى شاء، بل جاءت الشريعة بمعالم ومنارات ينبغي أن يسير أهل الإسلام وفقها ولا يتجاوزوها فإن فعلوا فهو (التهوك) أعاذنا الله منه، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب، فقال: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) 67.

قال البغوي: (أمتهوكون أي متحيرون أنتم في الإسلام، لا تعرفون دينكم، حتى تأخذوه من اليهود والنصارى) 68.

فمن هذه المعالم أن هذه الأخبار الإسرائيلية لا تخلو من أحوال ثلاثة:

1)ما كان موافقا لما في أيدينا من كتاب وسنة صحيحة، فهو صحيح وتبع لما عندنا من الحق فلا بأس بذكره للاستشهاد والاعتبار وإقامة للحجة على المخالفين من كتبهم.

2)ما كان مخالفا لما في أيدينا من الحق، فهو مما عملته أيديهم من التحريف فذكره محرم إلا على وجه بيان التحريف والكذب.

3)ما لا يوافق ولا يعارض مما سكتت عنه شريعتنا، فلا يجوز لنا الإيمان به لعدم قيام مقتضي الإيمان به ولا التكذيب به لعدم قيام مقتضى التكذيب بل نتوقف فيه لا نؤمن به ولا نكذبه، لاحتمال الأمرين على السواء وعدم المرجح، ومع ذلك فروايته جائزة.69

ومن الأحاديث الدالة على هذه المعاني ما يلي:

*عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (...وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج...) 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت