فهرس الكتاب

الصفحة 1293 من 2255

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله معلقا على هذا الحديث أنه: (محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار، وهذا هو الذي نستعمله في كتابنا هذا، فأما ما شهد له شرعنا بالصدق، فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا، وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، إلا على سبيل الإنكار والإبطال، فإذا كان الله سبحانه وله الحمد فد أغنانا برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكذب ووضع، وتحريف وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير) 71.

*عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) وقولوا: (آمنا بالله وما أنزل إلينا...) الآية)72.

قال الحافظ ابن حجر:

(قَوْله:(لَا تُصَدِّقُوا أَهْل الْكِتَاب وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ) أَيْ إِذَا كَانَ مَا يُخْبِرُونَكُمْ بِهِ مُحْتَمَلًا لِئَلَّا يَكُون فِي نَفْس الْأَمْر صِدْقًا فَتُكَذِّبُوهُ ، أَوْ كَذِبًا فَتُصَدِّقُوهُ فَتَقَعُوا فِي الْحَرَج، وَلَمْ يَرِد النَّهْي عَنْ تَكْذِيبهمْ فِيمَا وَرَدَ بِخِلَافِهِ، وَلَا عَنْ تَصْدِيقهمْ فِيمَا وَرَدَ شَرْعنَا بِوَفَائِهِ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه)73.

وما ورد مما يفهم منه النهي عن السماع من بني إسرائيل والرواية عنهم مطلقا إما منسوخ بما تقدم، أو مراعاة لمصلحة معتبرة، فتروى في حال دون حال، قال الحافظ: (كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّجْر عَنْ الْأَخْذ عَنْهُمْ وَالنَّظَر فِي كُتُبهمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّع فِي ذَلِكَ , وَكَأَنَّ النَّهْي وَقَعَ قَبْل اِسْتِقْرَار الْأَحْكَام الْإِسْلَامِيَّة وَالْقَوَاعِد الدِّينِيَّة خَشْيَة الْفِتْنَة، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُور وَقَعَ الْإِذْن فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاع الْأَخْبَار الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانهمْ مِنْ الِاعْتِبَار) 74، وقال رحمه الله: (وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة التَّفْرِقَة بَيْن مَنْ لَمْ يَتَمَكَّن وَيَصِرْ مِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْإِيمَان فَلَا يَجُوز لَهُ النَّظَر فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّاسِخ فَيَجُوز لَهُ وَلَا سِيَّمَا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى الرَّدّ عَلَى الْمُخَالِف، وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ نَقْلُ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ التَّوْرَاة وَإِلْزَامهمْ الْيَهُود بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ كِتَابهمْ، وَلَوْلَا اِعْتِقَادهمْ جَوَاز النَّظَر فِيهِ لَمَا فَعَلُوهُ وَتَوَارَدُوا عَلَيْهِ) 75.

فمن أمثلة نصوص النهي الواردة في هذا الباب حديث عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم، وكذلك ما صح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله تقرءونه لم يشب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ولا والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم.76

فيمكن أن يحمل مثل هذا على كلام الحافظ المتقدم فيقال إذا وجد المحذور كان التحذير وإلا فلا، فمن لم يكن مؤهلا للسماع ممن قد يقع في التصديق بها أو التشكك فيما عنده من الحق فممنوع من السماع منهم فضلا عن الرواية، أما من كان عالما فالسماع منهم جائز والتحديث لمن لا يقع له إشكال مباح على حد قول النبي صلى الله عليه وسلم: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ، (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) والله أعلم، ويتأكد هذا بالنظر إلى حال ابن عباس وكثرة المروي عنه في هذا الباب، وكذلك يؤكده موقف عمر بن الخطاب، فهو رضي الله عنه مع تشديده على من يحدث الناس بهذه الإسرائليات كقوله لكعب الأحبارمثلا: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة77، وقع منه رضي الله عنه سماع من كعب ومن غيره من أهل الكتاب وسؤال78 فمما وقع من ذلك مثلا ما قاله عمر لكعب: ما أول شيء ابتداه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم، ولا مداد ولكنه كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي.79 وروى عبدالرزاق أن عمر سأل رجلا من اليهود عن شيء؟ فحدثه، فصدقه عمر، فقال له عمر: قد بلوت صدقك، فأخبرني عن الدجال، قال: وإله يهود، ليقتلنه ابن مريم بفناء لد.80

فليس ثم تناقض بين الأمرين وليس حال العالم كحال العامي، وليس كل ما يقال على انفراد يصح أن يشاع ويذاع، ولا شك أن الانكباب على هذه الكتب والاشتغال بها عن فقه الكتاب والسنة خطأ، وصاحبه مذموم باستبداله للذي هو أدنى بالذي هو خير، عن أبي أويس قال: سمعت خالي مالك ابن أنس، وسأله رجل عن زبور داود، فقال له مالك: ما أجهلك، ما أفرغك، أما لنا في نافع عن ابن عمر عن نبينا ما يشغلنا بصحيحه عما بيننا وبين داود عليه السلام.81

وهنا ملاحظة تجدر الإشارة إليها وهي ما حكم تفسير نصوصنا الشرعية المتعلقة بهذه الحوادث وفق تلك الأخبار الإسرائيلية بحيث تكون بيانا لمبهم عندنا أو تفصيلا لمجمل أو تقييدا لمطلق، أو استزادة في أوصاف شرط لم ترد عندنا أو غير ذلك مما له صلة بتفسير نصوصنا في ضوء نصوصهم ثم تنزيل ذلك على الواقع؟

يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في كلام نفيس للغاية:

(إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات أو في تعيين ما لم يعين فيها أو تفصيل ما أجمل شيء آخر! لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبين لمعنى قول الله سبحانه، ومفصل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفرا) 82.

ومن تأمل ما يصنعه القوم يلحظ أنهم يمارسون مثل هذا الدور فيما يسطرون ويكتبون من هذه الأخبار الإسرائيلية، فيفسرون نصوصنا في ضوء نصوصهم، ويحاولون الربط بين ما لا يصح الربط بينهما، إضافة إلى عدم التزامهم بما تقدم من طريقة أهل العلم في التعامل مع الأخبار الإسرائيلية، وخلاصة انحرافاتهم في هذا الباب ما قاله الشيخ محمد إسماعيل المقدم حيث قال:

(هل المنهج الذي سلكه العابثون بأشراط الساعة يعكس التزامهم بالضوابط التي وضعها العلماء في حكاية الإسرائيليات؟ والجواب بالنفي:

أولا: لأن من القوم من يروون كل ما يقفون عليه منها بغض النظر عن هذا التقسيم.83

ثانيا: ولأن من يقتصرون على حكاية القسم الثالث منها لا يذكرون ذلك استشهادا وتحلية -على حد تعبير ابن كثير-، وإنما اعتقادا، واستدلالا، واحتجاجا، بل منهم من يقسم على صحة ما فيه، ومنهم من يعبر عن هذه الإسرائيليات بالوحي القديم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت