فهرس الكتاب

الصفحة 1294 من 2255

وثالثا: ولأن عامتهم -كما يتضح من كتاباتهم - ليسوا من الراسخين الذين يجوز لهم النظر في كتب أهل الكتاب، كما قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله ، ولذلك تأتي أقوالهم - بل أقوال الواحد منهم - متعارضة متضاربة، يكذب بعضها بعضا، وينقض آخرها أولها.

ورابعا: أن منهم من يتجاوز الاستشهاد بالإسرائيليات إلى الاستدلال بها، ثم يزيد الطين بلة حين يضيف إلى ذلك الاستدلال بتفسيرات علمائهم ومفكريهم لها، فإذا كانت هذه الإسرائيليات نفسها محل توقف في كونها وحيا معصوما أو لا، فهل هناك توقف أو تردد في أن علماءهم وأحبارهم ومفكريهم غارقون في التيه، والحيرة، والضلال المبين؟)84.

ومن الكتب الإسرائيلية المشهورة في باب ذكر الحوادث المستقبلية الكتاب المنسوب إلى دانيال85، والذي يتكئ عليه كثير من المتكلمين في هذا الباب في القديم والحديث فما خبر هذا الكتاب وما الموقف الصحيح منه؟

(قال أبو الخطاب بن دحية86: ودانيال نبي من أنبياء إسرائيل كلامه عبراني، وهو على شريعة موسى بن عمران، وكان قبل عيسى بن مريم بزمان، ومن أسند مثل هذا إلى نبي عن غير ثقة أو توقيف من نبينا صلى الله عليه وسلم فقد سقطت عدالته إلا أن يبين وضعه لتصح أمانته، وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم وما كان من الحوادث وما سيكون وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون وأغرب فيما أعرب في روايته عن ضرب الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يكذب آخرها أولها، وتعذر على المتأول لها تأويلها، وما يتعلق به جماعة الزنادقة من تكذيب الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم أن في سنة ثلاثمائة يظهر الدجال من يهودية أصبهان، وقد طعنا في أوائل سبعمائة من هذا الزمان، وذلك شيء ما وقع ولا كان، ومن الموضوع فيه المصنوع والتهافت الموضوع الحديث الطويل الذي استفتح به كتابه، فهلا اتقى الله وخاف عقابه، وإن من أفضح فضيحة في الدين نقل مثل هذه الإسرائيليات عن المتهودين فإنه لا طريق فيما ذكر عن دانيال إلا عنهم ولا رواية تؤخذ إلا منهم...87 وكيف يؤمن من خان الله وكذب عليه وكفر واستكبر وفجر) 88.

ومن عجيب ما جرى مما يتعلق بهذا الكتاب مما يبين لنا موقف السلف الصالح في الاشتغال بهذه الكتب عن كتاب الله، ما أخبر به ميمون بن مهران قال: كنا جلوسا في مسجد الكوفة، وذاك أول ما نزل، فأقبل من نحو الجسر رجل معه كتاب، قلنا: ما هذا؟ قال: كتاب. قلنا: وما كتاب؟ قال: كتاب دانيال، فلولا أن القوم تحاجزوا لقتلوه، وقالوا: كتاب سوى القرآن؟! كتاب سوى القرآن؟!89

(تنبيه:

ينبغي التفريق بين"تقبل وتصديق"هذه الإسرائيليات بنوعيها وبين"رصد"أفكار الخصم، من باب"اعرف عدوك"ولتستبين سبيل المجرمين، وليفهم أولو الرأي من المسلمين مقاصد الأعداء بهم، وكيف يفكرون؟ وماذا يخططون؟ على أن ينحصر الاشتغال بها في المختصين بذلك ما أمكن، حماية للعوام من الوقوع في حبائل تلك الإسرائيليات وتقبلها، والبناء عليها، كأنه وحي منزل)90

*التنجيم وكلام المنجمين:

لعل من أبرز المنجمين والذي يكثر تداول اسمه مع مختلف الأزمات والفتن رجل يهودي يعرف بـ (ميشيل نوستراداموس) ، وبرز هذا الاسم بشكل ملحوظ مؤخرا خاصة مع أحداث 11 من سبتمبر، فقد حظيت كتاباته بانتشار كبير، وكثر طرح مختلف تنبؤاته في مختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، جاء في موقع الجزيرة الإخباري تحت عنوان: (كتب التنبؤات والإسلام تتصدر المبيعات بأميركا اللاتينية) : (ارتفعت بشكل مفاجئ مبيعات كتب التنبؤات والكتب التي تتعلق بالدراسات والثقافة الإسلامية في دول أميركيا اللاتينية بمعدل تراوح بين 60 و100% بعد أسبوع على الهجمات التي استهدفت نيويورك وواشنطن الأسبوع الماضي، حيث تهافت القراء على شراء كتب مثل تنبؤات نوستراداموس وصدام الحضارات ويقول أصحاب المكتبات في عواصم دول أميركا اللاتينية(بوغوتا ومونتيفيديو وكراكاس وكويتو وبوينس أيرس) إن نسخ كتاب"تنبؤات نوستراداموس"لعالم الفلك والطبيب الفرنسي ميشال دو نوسترادام (1503-1566) نفدت من مكتباتهم)91، وكان لهذه الشخصية حضور غريب في كتابات كثير من المتكلمين حول أشراط لساعة في محاولة للاستفادة من تكهنات هذه المنجم في عملية ربط هذه الأشراط بوقائع محددة يقول أمين محمد جمال الدين في كتابه هرمجدون ص13 مبينا ما يراه من حال هذا المنجم وممهدا للقارئ لما سينقله عنه من بعد ذلك وكأنه يريد تسويق تنبؤاته قال: (إن المنجم الفلكي اليهودي الشهير ميشيل نوستراداموس الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي، وتوفي سنة 1559م، والذي كتب رباعيات تنبؤية لأمور مستقبلية وقعت وفق ما أخبر به تماما. فقد أخبر في رباعياته عن الحرب العالمية الأولى والثانية، ووقعتا فعلا في التاريخ الذي حدده، كما أخبر عن الثورة الفرنسية، وعن ظهور جبابرة سماهم بأسمائهم، منهم هتلر ونابليون، وتنبأ بنشوب الحرب العالمية الثانية والثالثة، وأنها مدمرة، وستكون في أوائل هذا القرن، وأنها نووية، وسيكون فيها حرب بيولوجية) 92، هكذا يمهد للقارئ لتقبل ما سيطرحه هذا المنجم ويسوق له، ثم تدارك الأمر وكأنه شعر أن الأخذ عن منجم صرف لا يجوز ولا يحل فأخذ يضفي على الرجل نوعا من الشرعية والتي يظنها تبيح له النقل عنه والأخذ بما قال، فقال: (هذا العراف وهو طبيب في الأصل لم يأت بما أتى به من باب الكهانة أو العرافة، وإنما هو قد اطلع على مخطوطات إسلامية حصل عليه وورثها من أجداده اليهود كما ذكر هو في مقدمة رباعياته) بل قال ص14: (ونقول: إن ما جاء به نوستراداموس هو من تراثنا المنهوب وميراثنا المسلوب، الذي سقط منا فالتقطوه، وجهلناه وعلموه) 93، فتأمل حجم الدعوى ثم تأمل ما بني على هذه الدعوى، نصدق عرافا لأنه زعم أنه استقى معلوماته من مخطوطات، وهب أنه صادق فما قيمة هذه المخطوطات من الناحية العلمية، أبمثل هذا يستبيح مسلم لنفسه الأخذ عن الكهان بل وتفسير كلام الله ورسوله وفق هذه التنبؤات.. ثم انظر في حال صاحب أسرار الساعة واتكائه على كلام هذا المنجم يقول ص34: (في نهاية السابع من عام 1999 سيهبط ملك الفزع العظيم من السماء، وسيحكم المريخ كوكب الحرب لصاحب الحق، وسيكون دمارا مروعا وخرابا هائلا، تلك هي واحدة من أكثر نبوءات نستراداموس فزعا ورعبا كما يقول المحللون، وهي طبقا لمعظم التفسيرات تعني بأن كارثة ضخمة ستحيق بالكرة الأرضية في شهر يولية 1999م، وقد حدد نستراداموس والذي يعتبرونه أعظم فلكي في التاريخ، بأن شرارة الكارثة الأولى ستنطلق من الشرق الأوسط) 94 إلى أن يقول: (وما بين نبوءات نستراداموس في عام 1555م، ومخططات واينبرغر عام 1997م، تمت جميع المؤامرات الساعية لتدمير العالم الإسلامي، وغزوه في عام 1999م، ومثقفوا العالم لا يزالون يرددون ببلاهة عجيبة: نحن ضد فكر المؤامرة، أما قادة العالم الإسلامي فيكفيهم خدعة أن يرأسهم في طهران الدجال نفسه، والمعروف أن الرقم(9) هو نهاية الأرقام التي تبدأ بالرقم (1) وهو حسب الفلسفة الفيثاغورية يعني النهاية، وهو الرقم المقدس عند الطائفة البهائية التي خرجت في إيران، واستقرت في فلسطين، وحسب علوم الجيومترا المشتقة من الكابالاة اليهودية، فإن الرقم (9) هو رقم الملوك الغزاة، وفي اليهودية أيضا فإن الرقم (9) هو رقم الخراب)95.

فياليت شعري.. ألم يعلم القوم بموقف الشريعة الصريح والواضح من الكهانة والعرافة والتنجيم، أم قد علموا ففتنوا عما علموا..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت