فهرس الكتاب
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
إي والله المصيبة عظيمة بل عظيمة جدا.
جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي الطويل (...قلت: يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالا يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم، قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم -قال ابن الصباح: فلا يصدنكم - قال: قلت: ومنا رجال يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك...) 96.
قال النووي: (قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ إِتْيَان الْكَاهِن، لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي مُغَيَّبَات قَدْ يُصَادِف بَعْضهَا الْإِصَابَة، فَيُخَاف الْفِتْنَة عَلَى الْإِنْسَان بِسَبَبِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاس كَثِيرًا مِنْ أَمْر الشَّرَائِع , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِالنَّهْيِ عَنْ إِتْيَان الْكُهَّان وَتَصْدِيقهمْ فِيمَا يَقُولُونَ، وَتَحْرِيم مَا يُعْطُونَ مِنْ الْحُلْوَانِ، وَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِجْمَاع فِي تَحْرِيمه جَمَاعَة مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّد الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى) 97.
فهذا حكم إتيان الكهان، هو حرام بالاتفاق، فمن أتاهم كان متعرضا للوعيد، ومن الوعيد المخصوص ما ثبت عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) 98، وعن أبي هريرة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) 99.
فمجرد إتيان العراف والكاهن وسؤاله من غير تصديق متعرض صاحبه لهذا الوعيد (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) ، فإن انتقل لما بعده وصدقه في دعواه فهو الكفر أعاذنا الله وإياكم منه.
ومصدر الكاهن في استقاء هذه الأخبار مما يسترقه الشياطين فعن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء) 100.
وعبارات أهل العلم الدالة على تحريم الكهانة والتنجيم والاشتغال به وبيان بطلانه وعدم جواز الأخذ به كثيرة فمن ذلك ما قاله ابن أبي العز: (وصناعة التنجيم التي مضمونها الإحكام والتأثير وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، أو التمزيج بين القوى الفلكية والغوائل الأرضية صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين) 101 وقال ابن رجب الحنبلي: (فعلم تأثير النجوم باطل، والعمل بمقتضاه كالتقرب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر) 102
قال الخطيب البغدادي شارحا أحوال الناس مع المنجمين وسبب وقوعهم في شراكهم في تحليل نفسي رائع قال:(إنما يدخل الشبه على الناس في أمر المنجمين من قبيل أنهم يرون المنجم يصيب في مسألة تقع بين أمرين، كالجنين الذي لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى، أو المريض الذي لا يخلو من أن يصح أو يموت، والغائب الذي لا يخلو من أن يقيم بمكان أو يؤوب، ومن شأن الناس أن يحفظوا الصواب، للعجب به والشغف، ويتناسوا الخطأ، لأنه الأصل الذي يعرفونه، والأمر الذي لا ينكرونه، ومن ذا الذي يتحدث بأنه سأل المنجم فأخطأ، وإنما التحدث بأنه سأله فأصاب، والصواب في المسألة إذا كان بين أمرين قد يقع أحيانا للمعتوه والطفل، فضلا عن المتلطف الرفيق، والقول في إصابة المنجم كقول الشاعر في الطيرة:
تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهي الثبور
وشيء قد يوافق بعض شيء أحيانا وباطله كثير
وإن وجد لمن يدعي الأحكام إصابة في شيء، فخطؤه أضعافه، ولا تبلغ إصابته عشر معشاره، وتكون الإصابة اتفاقا كما يظن الظان المنافي للعلم المقارن للجهل الشيء فيكون على ظنه، ويخطئ فيما هو معلوم أكثر عمره، ولا يقال: إن هذه إصابة يعول عليها، ويرجع إليها، بل إذا تكررت منه الإصابة في قوله، وكثر الصدق في لفظه، والصحة في حكمه، ولم يخرم منه إلا الأقل، حينئذ سلمت له هذه الفضيلة وشهد له بهذه المعجزة، ولا فرق بين المنجم والكاهن، إذ كل واحد منهما يدعي الإخبار بالغيوب، وكيف يسلم للمنجمين ما يدعونه، وأحدهم على التحقيق ما يعرف ما حدث في منزله، ولا ما يصلح أهله وولده بل لا يعرف ما يصلحه في نفسه، ويؤثر عنه أن يخبر بالغيب الذي لم يؤته الله أحدا، ولم يستودعه بشرا، إلا لرسول يرتضيه أو نبي يصطفيه)103.
وعودا على (نوستراداموس) فقد(نشرت مجلة"أون لاين"في العدد 14 نصف أكتوبر 2001م، مقالا أنحت فيه باللائمة على وكالة"رويترز"للأنباء لأنها نشرت شائعة تنبؤ"نوسترادموس"بأحداث 11 سبتمبر، ونسبت إلى"جون هوج"أحد المتخصصين في دراسة نبوءات"نوستراداموس"قوله:"يبدو أن صحافيي وكالة رويتر نسوا أبسط قواعد الصحافة المحترمة، ألا وهي التأكد من الحقائق قبل نشرها، الأمر الذي لم يفعله أحد"وقد دعا الوكالة الشهيرة إلى الاعتذار عن خطئها، وتكذيب ذلك الخبر فورا. وذكرت المجلة أن طالبا يدعى"نيل مارشال"كان قد صمم موقعا له على شبكة الإنترنت باسم"التحليل النقدي لنوستراداموس"وقد نشر فيه عددا من الرباعيات ونسبها إلى الفلكي الشهير، وحرص على أن يجعلها ذات لغة مراوغة ليسخر من فكرة التنبؤ بالمستقبل، ووصل إلى استنتاج أن نصوص"نوستراداموس"يمكنها أن تعني كل شيء، وقد لا تعني شيئا على الإطلاق. ويقول محرر موقع"الأساطير الحضارية"U صلى الله عليه وسلم ban Legends:
"إن لغة نوستراداموس تجعل نصوصه قابلة للتفسير على أي وجه، يمكنك أن ترى فيها الحروب أو المآسي، أو الانتصارات، أو أي شيء تريد أنت رؤيته"ثم تسخر مجلة Online من"نوستراداموس"وأشباهه وتتساءل: لماذا يستخدم المنجمون دوما تلك اللغة المراوغة؟ إذا كانوا بحق قادرين على كسر حاجز الزمن والإبحار عبر المستقبل، فلماذا لا يقولون لنا ما سيحدث بوضوح وصراحة دون أن"يوجعوا دماغنا"؟!) 104، هذه بعض أقوال ومواقف من لا يؤمن بالله في نوستراداموس وأمثاله، فالواجب على من كان مؤمنا بالله حقا أن لا يرفع بأقوال أولئك رأسا، فضلا عن سماعها وتصديقها.
*الاستدلال بحروف أباجاد وحساب الجمل على المغيبات: