فهرس الكتاب

الصفحة 1296 من 2255

وهو فرع من فروع الكهانة تعتمد حروف أباجاد وحساب الجمل أصلا للتوصل إلى ما يستقبل من حوادث وكائنات، فيرتبون حروف أباجاد ترتيبا معينا ويحسبون مقداره من العدد بحساب الجمل وفق عمليات حسابية من جمع وطرح ويربطون ما يحصلونه من نتائج بالأبراج الاثني عشر على طريقة أصلوها ومذهب قعدوه ثم يربطون نتائج حساباتهم هذه بأناس أو أزمنة أو أمكنة زاعمين أنه سيقع الأمر الفلاني إلى كذا وكذا سنة، وسيمتد ملك بني فلان إلى سنة كذا، وستقع هذه الملحمة في تاريخ كذا وهكذا، ويعمد بعضهم إلى الربط بين هذه الحسابات وكتاب الله خاصة الحروف المقطعة في أوائل السور، فيجعلون من هذه الأحرف مفاتيح لاستشراف بعض الغيوب عن طريق هذه الحسابات، وهذا لون من التنجيم والكهانة يعتمد الحرف كاعتماد قارئ الكف للكف وقارئ الفنجان للفنجان وضارب الأرض للأرض فحكم الجميع سواء، ضرب من الكهانة لا يجوز في شرع الله وهذا واضح بين بحمد الله، وقال ابن عباس: (إن قوما يحسبون أباجاد وينظرون في النجوم ولا أرى لمن فعل ذلك من خلاق) 105، أما ما يروى فيه من أحاديث في الحث على تعلمه والعمل به فموضوع كله لا يجوز روايته - إلا لبيان بطلانه - فضلا عن الاحتجاج به، وهو مخالف لأصول الشريعة وقاعدتها في هذا الباب، أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ومن العجيب أن يسري هذا اللون من التكهن في كتب التفسير خاصة عند تفسير الحروف المقطعة في القرآن في محاولة لتلمس شيء مما سيحل بهذه الأمة مما استأثر الله جل وعلا بعلمه، ومن أمثلة هذا التلاعب بكتاب الله ما أورده الشيخ محمد رشيد رضا من ذلك يقول: (وزعم بعضهم أن الساعة تقوم سنة 1407هـ بناء على أن عدد حروف بغتة في قوله تعالى:(لا تأتيكم إلا بغتة) 1407)106، ومن أقوال أهل العلم في الرد على من تمسك بهذه الحروف للتوصل لبعض الغيوب، قول السخاوي: (ومن فوائده الرد على الحرالي المغربي الزاعم أنه استخرج من الحرف وقت خروج الدجال ووقت طلوع الشمس من مغربها مع أن هذه تحديدات وعلوم استأثر الله بها عن سائر أنبيائه ورسله فضلا عن من دونهم) 107.

وقال ابن تيمية: (فلهذا تجد عامة من في دينه فساد يدخل في الأكاذيب الكونية مثل أهل الاتحاد فإن ابن عربي في كتاب عنقاء مغرب وغيره أخبر بمستقبلات كثيرة عامتها كذب وكذلك ابن سبعين وكذلك الذين استخرجوا مدة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل من حروف المعجم الذي ورثوه من اليهود ومن حركات الكواكب الذي ورثوه من الصابئة كما فعل أبو نصر الكندي وغيره من الفلاسفة وكما فعل بعض من تكلم في تفسير القرآن من أصحاب الرازي ومن تكلم في تأويل وقائع النساك من المائلين إلى التشيع وقد رأيت من أتباع هؤلاء طوائف يدعون أن هذه الأمور من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة وخاطبت في ذلك طوائف منهم وكنت أحلف لهم أن هذا كذب مفترى وأنه لا يجري من هذه الأمور شيء وطلبت مباهلة بعضهم لأن ذلك كان متعلقا بأصول الدين وكانوا من الاتحادية الذين يطول وصف دعاويهم) 108

فتأمل من أين أتي البعض، لقد أتوا من استجلاب هذا العلم من اليهود، والعجب من الآلوسي في انتصاره لمثل هذا قال:(ويا لله العجب كيف يقول باحتمال ديوان المتنبي وأبياته المعاني الكثيرة ولا يقول باشتمال قرآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآياته وهو كلام رب العالمين المنزل على خاتم المرسلين على ما شاء الله تعالى من المعاني المحتجبة وراء سرادقات تلك المباني سبحانك هذا بهتان عظيم بل ما من حادثة ترسم بقلم القضاء في لوح الزمان إلا وفي القرآن العظيم إشارة إليها فهو المشتمل على خفايا الملك والملكوت وخبايا قدس الجبروت، وقد ذكر ابن خلكان في تاريخه أن السلطان صلاح الدين لما فتح مدينة حلب أنشد القاضي محيي الدين قصيدة بائية أجاد فيها كل الإجادة وكان من جملتها:

وفتحك القلعة الشهباء في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب

فكان كما قال، فسئل القاضي من أين لك هذا، فقال أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: (الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين) قال المؤرخ: فلم أزل أتطلب التفسير المذكور حتى وجدته على هذه الصورة وذكر له حسابا طويلا وطريقا في استخراجه وله نظائر كثيرة ومن المشهور استنباط ابن الكمال فتح مصر على يد السلطان سليم من قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) فالإنصاف كل الإنصاف التسليم للسادة الصوفية الذين هم مركز للدائرة المحمدية ما هم عليه واتهام ذهنك السقيم فيما لم يصل لكثرة العوائق والعلائق إليه وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار)109.

فمثل هذه الحكايات لو ثبتت وصحت لم يكن شأنها بأعجب من شأن الكهانة والتي قد تصيب ولكن كم نسبة الإصابة من الخطأ، لا تذكر، ولذا لا تجدهم يذكرون إلا الإصابة ويتغافلون عن الأخطاء، إذ الخطأ في هذا الباب أصل والإصابة خلاف الأصل والذي يحفظ ويتناقل هو النادر الشاذ الغريب كما تقدم في كلام للخطيب البغدادي، ومن العبارات الصحيحة الدارجة في هذا المضمار كذب المنجمون وإن صدقوا، والشرع قد سد هذا الباب بالكلية، فالواجب الوقوف عند حدود الشرع فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم.

وللروافض عناية بهذا العلم، وذلك لما افتروه على علي وأهل بيته من الروايات الباطلة المكذوبة، وبخاصة على جعفر الصادق، ومن أعظم الكذب المنسوب إليهم نسبة الجفر مما تضمن الإخبار عن المغيبات وفق ما يسمى عند الروافض بأسرار الحروف، قال ابن خلدون:

(واعلم أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي وهو رأس الزيدية كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص وقع ذلك لجعفر ونظائره من رجالاتهم على طريق الكرامة والكشف الذي يقع لمثلهم من الأولياء وكان مكتوبا عند جعفر في جلد ثور صغير فرواه عنه هارون العجلي وكتبه وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه لأن الجفر في اللغة هو الصغير وصار هذا الاسم علما على هذا الكتاب عندهم وكان فيه تفسير القرآن وما في باطنه من غرائب المعاني مروية عن جعفر الصادق، وهذا الكتاب لم تتصل روايته ولا عرف عينه وإنما يظهر منه شواذ من الكلمات لا يصحبها دليل ولو صح السند إلى جعفر الصادق لكان فيه نعم المستند من نفسه أو من رجال قومه فهم أهل الكرامات110 وقد صح عنه أنه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصح كما يقول وقد حذر يحيى ابن عمه زيد من مصرعه وعصاه فخرج وقتل بالجوزجان كما هو معروف وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم فما ظنك بهم علما ودينا وآثارا من النبوة وعناية من الله بالأصل الكريم تشهد لفروعه الطيبة وقد ينقل بين أهل البيت كثير من هذا الكلام غير منسوب إلى أحد) 111.

فهذا الكتاب المنسوب المكذوب على أهل البيت الأطهار خرافة وكذب ودجل من أوله إلى آخره، ومن امتدحه أو تأثر بما فيه أو صدق به فهو المتأثر بخرافات الروافض بيقين، وكفى بها مذمة ونقيصة أن يوافق المرء الروافض في ضلالهم، ومن أولئك المثنين على هذا الكتاب والمتأثرين به المتكئين عليه في إصدار الأحكام من العابثين بنصوص أشراط الساعة محمد عيسى داود فانظر في كتابه المفاجأة ص56 فقد تكلم على الجفر بثناء عريض، فمما قاله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت