«يجيء الرجل يوم القيامة، وله من الحسنات كالسحاب الركام او كالجبال الرواسي، فيقول: يا رب انى لي هذا ولم اعملها؟ فيقول: هذا عملك الذي علمته الناس يعمل به بعدك» .
وعلم عبد الرحمن السلمي ولدا للحسين سورة الحمد، فلما قراها على ابيه اهدى الامام للمعلم مالا كثيرا وحلية كثيرة وحشا فاه درا. فقيل له في ذلك، فقال:
«واين يقع هذا من عطائه - يعني تعليمه» .
3-المسجد والجسر الثالث من الجسور الثلاثة: المسجد، وهو، في الاسلام، مركز للعبادة والتوجيه الفكري والاخلاقي والسياسي،وللتعاون على اعمال الخير والبر، وله دور مركزي ورئيسي في الفعاليات والاعمال التي تقع في هذه الدائرة.
والنص التالي يكشف عن قيمة المسجد ودوره في المجتمع الاسلامي: عن امير المؤمنين علي: «من اختلف الى المسجد اصاب احدى الثمان: 1- اخا مستفادا في اللّه. 2- او علما مستطرفا. 3- او آية محكمة. 4- او رحمة منتظرة. 5- اوكلمة ترده عن ردى. 6- او يسمع الى كلمة تدل على الهدى.
7-او يترك دنيا خسيسة. 8- او حياء».
وقد كانت المساجد، في التاءريخ الاسلامي، مدارس للفكر والثقافة، ومنابر للتهذيب والتربية ومواقع للحركة والثورة والعمل الاجتماعي والسياسي، ومن انشط المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية في حياة المسلمين.
وكانت تقوم بمهمة اساسية في نقل مواريث الحضارة الاسلامية من جيل الى جيل.
كما كانت معقلا من امنع معاقل الفكر والقيم الاسلامية، وفي هذا المعقل استطاع المسلمون ان يحفظوا تراثهم الفكري والحضاري من غارة العدوان الجاهلي.
مؤسسة الحوزة العلمية ولكي يمارس المسجد دوره، في خدمة الامة، وفي نقل المواريث الحضارية بقوة وفعالية، لابد له من روافد بشرية وثقافية لتاءمين حاجة المسجد الى العلماء والخطباء والموجهين الذين يقومون بدور التوعية والتحريك في المجتمع الاسلامي من خلال هذه المؤسسة (المسجد) .
وهذه المهمة تتطلب وجود جامعات اسلامية (حوزات علمية) مهمتها تخريج المتخصصين في شؤون الثقافة الاسلامية.
ولابد من ان تنفر طائفة من المسلمين ليتعلم افرادها هذه الثقافة بصورة اختصاصية، وليقوموا بهذا الدور التوجيهي الحساس في المجتمع، انطلاقا من قوله تعالى:
(فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذارجعوا اليهم لعلهم يحذرون) .
وعليه فان «مؤسسة المسجد» تشمل هذه المؤسسات الثقافية التي نصطلح عليها بالحوزات العلمية، والمؤسسات التابعة والمقومة للحوزات العلمية كالمرجعية ومنصب الافتاء ومنابر التوجيه والوعظ.
والمسجد، بمثل هذا الشمول والسعة، يشغل مساحة واسعة من حياة الناس، ويعد واحدا من اهم الجسور التي قامت،في تاءريخ الانسان، بعملية نقل القيم والافكار من جيل الى جيل. ومن اهم المعاقل التي استطاعت ان تحفظ لنا تراثنا من الضياع والانحراف ولا سيما في السنوات العجاف الطويلة التي تعرضت فيها جسورنا وقلاعنا الحضارية لضربات قوية من قبل العدو. فقد حافظ المسجد، خلال هذه السنوات العجاف، على استقلاله، ولم يتمكن العدو من مصادرة هذه المؤسسة وتطويقها وحرفها عن رسالتها. وكان المسجد، في هذه المعركة، آخر قلعة من قلاعنا الحضارية التي قاومت حركة التغريب، ولو كان يتاءتى لهذه الانظمة والمؤسسات الخاضعة لسلطان الغرب ان تضع يدها على المساجد ورافدهامن الحوزات العلمية الاسلامية لم يسلم لنا من عبثهم وافسادهم شيء.
نسف الجسور هذه هي اجمالا الجسور الثلاثة التي تنتقل عليها حضارتنا من جيل الى جيل، والتي تربط حاضرنا بماضينا، وتربطنابجذورنا الحضارية العميقة، ولولا هذه الجسور لانقطع حاضرنا عن ماضينا، انقطاعا تاما، وتحولت الامة من اءمة ممتدة في التاءريخ، ذات حضارة واصالة وعمق، مستقرة في الارض، الى نبتة مجتثة من فوق الارض ما لها من قرار، ومن شجرة اصلها ثابت وفرعها في السماء، الى نباتات طحلبية تنبت هنا وهناك، ثم تموت كما تكونت، وبقدر ما يحرص الاسلام على سلامة هذه الجسور الثلاثة وفاعليتها في حياة الامة، فان اجهزة الاستكبار العالمي تخطط لتقطيع هذه الجسور في حياة اءمتنا وتعطيل اءدوارها. وبامكاننا اءن نقول ان الصراع السياسي في المرحلة الاخيرة من حياتنا، بيننا وبين الكفرالعالمي، كان يدور حول محور قطع هذه الجسور ومدها.
بين الحداثة والقديم، ام بين الانقطاع والاتصال؟ لقد حاول الاستكبار وعملاؤه، في العالم الاسلامي، من الحكام والمفكرين، ان يصوروا هذا الصراع على انه صراع بين «القدم» و «الحداثة» . لكن الحقيقة شيء آخر، فلم يكن الصراع على القديم والجديد، وانما كان الصراع على «الانقطاع» و «الاتصال» . لقد كان الاستكبار العالمي يعمل لقطع هذه الامة عن ماضيها وجذورها التاءريخية، ولنسف الجسور التي تربط حاضر الامة بماضيها. وكان المخلصون الواعون، من ابناء الامة، يدركون عمق هذه المؤامرة ويحرصون على ان يبقى حاضرنا مرتبطا بماضينا وتراثنا وجذورنا في التاءريخ. وكان هذا الصراع قائما في كل مكان: في المدرسة، وفي الجامعة،وفي الشارع، وفي الفن، وفي الادب، وفي المصطلحات، وفي الاعراف، وفي اللغة، وفي الخط، وفي الشعر، وفي المعاشرة، وفي الاسرة، وفي طريقة التفكير، وفي لغة التخاطب، وفي اشياء كثيرة اءخرى في حياتنا.
التخريب الحضاري ونتساءل: لماذا كان الاستكبار يعمل بهذا الاتجاه التخريبي في حضارتنا؟ وهذا سؤال وجيه.. فان مخطط ي اجهزة الغزو الاستكباري لم يكن يهمهم من امر حضارتنا شيء، ولم يكن يهمهم ان يطرحوا بديلا لهذه الحضارة. ولم يكونوا رسل حضارة الينا ليفكروا في تخريب حضارة واقامة اءخرى مكانها، وانما كانواطلاب مال ولذة، وجباة الذهب الاصفر والاسود. وكل من يعرف الغرب والشرق يعرف هذه الحقيقة بلا مناقشة.ونتجاوز الان اولئك السذج الذين يتصورون ان للغرب الراسمالي او الشرق الاشتراكي دورا انسانيا في حياتنا.
فما هي مصلحة الغرب والشرق في التخريب الحضاري في حياتنا وفي هدم الجسور واستئصال الجذور؟ ان القضية، في راينا، لها ايضا علاقة بجباية الذهب الاصفر والاسود. ولابد لذلك من شرح وايضاح:
ان الجذور الحضارية تمنح الامة مناعة ضد الغزو، اي غزو، سواء اكان غزوا عسكريا ام فكريا ام سياسيا، ام غزوا للابتزازالمالي او للاستئصال الحضاري. وهذه خاصية العمق الحضاري في الامة، فما دامت الامة مرتبطة بماضيها وحضارتهاومستشعرة بشخصيتها التاءريخية والحضارية فهي تقاوم الغزو والاحتلال والاستغلال، وتقاوم النفوذ السياسي والفكري الاجنبي مهما كان.
ولقد جاء الغرب الى العالم الاسلامي لفرض سلطانه ونفوذه على المسلمين، وليقوم بغارة واسعة على العالم الاسلامي،وهو يعلم ان في هذه الامة مناعة ضد كل اجنبي دخيل على الامة، وضد كل نفوذ وسلطان دخيل عليها، ويعلم ان مصدر هذه المناعة هو دين هذه الامة وحضارتها، ولا يمكن ان يضعوا ايديهم على كنوز هذه الامة وثرواتها الطبيعية قبل ان يضعوا ايديهم على عقول ابنائها، ولا يمكن ان يفتحوا الطريق الى ثروات المسلمين قبل ان يقطعوا علينا الطريق الى حضارتنا ورسالتنا وتراثنا.
لقد عرف المخططون للاستكبار هذه الحقائق جميعا، حقيقة بعد اءخرى، وتوجهوا بكل جد واهتمام لعلاج هذه المشكلة ومصادرة هذه المناعة والمقاومة.