فهرس الكتاب

الصفحة 2163 من 2255

التعويم الحضاري واذا حدث هذا التعويم الحضاري، وتحولت الامة من حالة الانتماء الحضاري الى حالة اللاانتماء، فلا تبقى في الامة مناعة او مقاومة، ولا يخشى، بعد، على مصالح الاستكبار ومراكز نفوذه في العالم الاسلامي على امد طويل من الزمان،ومن ثم يسهل النفوذ في هذه الامة، وفرض كل الوان السيطرة والسيادة عليها، ووضع اليد على ثرواتها واراضيها وبرهاوبحرها.

ولكي يتم تفريغ هذه الامة من كل محتواها الحضاري والرسالي، وبترها عن ماضيها وتراثها وحضارتها، بترا كاملا، لابدمن قطع هذه الجسور التي تربط الحاضر بالماضي، والامة بتراثها وحضارتها.

وانطلاقا من هذا التصور توجه الاستكبار العالمي باتجاه قطع هذه الجسور ونسفها وقطع الحاضر عن الماضي.

وهكذا كانت فصول الماءساة في حياتنا السياسية والحضارية المعاصرة.

معالم حركة التغريب او التخريب الحضاري وارى من المفيد ان ارسم هنا معالم حركة التغريب، او الاستئصال الحضاري بشكل اوضح، ليكون هذا الجيل - جيل الثورة - على بينة من المخططات الرهيبة التي كان يجري تنفيذها من قبل الغرب، بشكل خاص، في العالم الاسلامي في هذه الفترة من الزمان.

لقد كان هم الغرب الاكبر انهاء وجود الدولة العثمانية في العالم الاسلامي والقضاء عليها قضاء كاملا، فقد كانت الدولة العثمانية، ورغم كل نقاط الضعف الظاهرة عليها، محورا سياسيا وعسكريا واقتصاديا قويا في المنطقة يحول دون تحقيق مطامع الغرب في العالم الاسلامي.

وتم للغرب اسقاط الخلافة العثمانية بصورة نهائية، في سنة 1342 - ه/1922 م، بعد ان تم انهاكها واستهلاكها وتحجيمها،حتى اصبح الخليفة لا يملك من اءمور الخلافة والدولة شيئا غير صلاة الجمعة وخطبتها وقصره وحاشيته.

واستراح الغرب عند ذلك، وتنفس الصعداء، وخلت الساحة السياسية في المنطقة الاسلامية من وجود قوة ذات نفوذواسع في المنطقة الاسلامية.

وعند ذلك، اخذ الغرب يصعد حركة التغريب والاستئصال الحضاري في المنطقة الاسلامية بصورة واسعة، وقد كانت هذه الحركة قائمة في العالم الاسلامي من قبل، ولكنها تصاعدت بشكل ملفت للنظر، وعلى كافة الاصعدة، بعد سقوط الدولة العثمانية.

الحكام الذين دعموا حركة التغريب في هذه المرحلة التي شارفت سقوط الدولة العثمانية، وتلك التي تلتها، نرى على المسرح السياسي حكاما وانظمة، في العالم الاسلامي، تتجه بشكل واضح باتجاه فصل العالم الاسلامي عن جذوره الحضارية، وربطه بالغرب والحضارة الغربية، تحت شعار «التجديد» و «الحداثة» و «التطور» و «التقدم» ، ونذكر من هؤلاء الحكام:

مصطفى كمال اتاتورك: تولى الرئاسة في تركيا بعد اسقاط الدولة العثمانية، واستمر حكمه من سنة 1923 الى سنة 1938.م رضا بهلوي: تولى الحكم، في ايران، من سنة 1925 الى سنة 1931.م، اي انه تولى الحكم بعد سقوط الدولة العثمانية بثلاث سنوات.

امان اللّه خان: تولى الحكم في افغانستان من سنة 1919 م الى سنة 1929.م زار اوروبا، وتوجه باتجاه تغريب افغانستان بعدسنة 1927 اي بعد سقوط الدولة العثمانية بخمس سنوات، بصورة قوية، ما ادى الى سقوطه وفراره الى اوروبا.

وقد اشتهر هؤلاء الحكام بالنزوع الشديد الى الغرب، وبالسعي الحثيث للقضاء على معالم الحضارة الاسلامية واصولها،واحلال الحضارة الغربية في بلادهم، والقضاء على الكيان السياسي للاسلام في العالم، واحلال الكيانات الصغيرة الاقليمية والقومية مكان الدولة الاسلامية.

ومن المفيد ان نذكر ان احداثا قد تمت في هذه الحقبة من تاريخنا السياسي المعاصر، اسهمت في تمزيق العالم الاسلامي، ومنها: «معاهدة سايكس بيكو» - 1916.م قسمت العالم الاسلامي الى كيانات، ومنها ايضا «وعد بلفور» -1917م الصهاينة باقامة كيان لهم في فلسطين.

ومن السذاجة ان نتصور ان هذه الاحداث تجمعت في هذه المرحلة بالذات صدفة ومن دون تخطيط مسبق. ومن السذاجة ان نتصور ان هؤلاء الحكام كانوا يعملون لتطوير بلادهم من الناحية العلمية والاقتصادية والعسكرية، وكانوايسعون الى ادخال الصناعة والاختصاصات العلمية المتطورة الى بلادهم.

فقد بدا هؤلاء الحكام بالقضاء على «الخط والحرف العربين» اولا، وعلى «اللغة العربية الفصحى» ثانيا، وعلى «الحجاب» ثالثا، وعلى «القضاء الشرعي» رابعا، وعلى «حدود اللّه» تعالى في الحلال والحرام خامسا، وعلى «الاخلاق والاعراف» الاسلامية، وعلى كثير غير ذلك بحجة التطور والتجديد والحداثة.

وكان يسير، في ركب هؤلاء الحكام، جمع من المخططين والمفكرين والعلماء والادباء في مختلف اقطار العالم الاسلامي، يتجهون بشكل واضح باتجاه تغريب المسلمين، وربط العالم الاسلامي بعجلة الغرب، وعزل الامة الاسلامية بصورة كاملة عن ماضيها وتاءريخها، وحجبها حجبا كاملا عن حضارتها وتراثها.

رواد التغريب من المفكرين والكتاب وبرز، في مجال الدعوة الى التغريب والارتماء في احضان الحضارة الغربية، مفكرون وكتاب وادباء دعموا هذه الدعوة بكتاباتهم وآثارهم وادبهم. ونحن نشير، هنا، الى بعض هؤلاء حتى يعرف ابناء هذا الجيل ضخامة المؤامرة التي كان يحيكها قادة الاستكبار والكفر ضد الحضارة والامة الاسلامية قبل هذا الجيل.

طه حسين والدعوة الى التغريب في العالم العربي عدد من الكتاب، في هذا المجال، كان من ابرزهم طه حسين، الكاتب المصري المعروف والذي منح عمادة الادب العربي.

لقد اولع طه حسين بالحضارة الغربية، حتى عاد يدعو قومه، في مصر، الى الانسلاخ عن حضارتهم وقبول حضارة الغرب والارتماء في احضانها، خيرها وشرها، حلوها ومرها.

يقول طه حسين في كتاب «مستقبل الثقافة في مصر» :

«حياتنا المادية اوروبية خالصة في الطبقات الراقية، وهي في الطبقات الاخرى تختلف قربا وبعدا من الحياة الاوروبية باختلاف قدرة الافراد والجماعات وحظوتهم من الثروة وسعة ذات اليد، ومعنى هذا ان المثل الاعلى في حياته المادية انما هو المثل الاعلى للاوروبي في حياته المادية» .

«وحياتنا المعنوية، على اختلاف مظاهرها والوانها، اوروبية خالصة. نظام الحكم عندنا اوروبي خالص، نقلناه عن الاوروبيين، في غير تحرج ولا تردد، واذا عبنا انفسنا بشيء من هذه الناحية فانما نعيبها بالابطاء في نقل ما عندالاوروبيين من نظام الحكم واشكال الحياة السياسية» .

«والتعليم عندنا قد اقمنا صروحه وبرامجه منذ القرن الماضي على النحو الاوروبي الخالص، ما في ذلك شك ولا نزاع.

نحن نكون ابناءنا في مدارسنا الاولية والثانوية والعالية تكوينا اوروبيا لا تشوبه شائبة».

وينتهي طه حسين الى النتيجة التالية:

«كل هذا يدل على اننا، في هذا العصر الحديث، نريد ان نتصل باءوروبا اتصالا يزداد قوة من يوم الى يوم، حتى نصبح جزءا منها لفظا ومعنى وحقيقة وشكل» .

والامر واضح عند طه حسين، لا لبس فيه، فهو لا يدعو الى اقتناء ما تقدم فيه الغرب من العلم والصناعة والتكنولوجياوالفن المعماري.. وانما يدعو الى اتباع الغرب في كل شيء، والى ان ينسلخ كل منا انسلاخا كاملا عن تاءريخه وحضارته ورسالته، ويكون نسخة ثانية من الغرب «لفظا ومعنى وحقيقة وشكل» ، وحتى الرؤية والتصور والتقييم والحكم... ينبغي ان يكون عندنا اوروبيا، كما يقول طه حسين، فلا يكفي ان نعيش حياة اوروبية وانما يجب علينا ان نفهم الاشياء،ونقومها، ونراها، كما يفهمها ويقومها الاوروبيون. وعلينا ان نتبع الاوروبيين في كل شيء من حياتهم وواقعهم حتى في ما لا يحمدونه هم من اساليب الحياة والوان العلاقات الاجتماعية والممارسات والافعال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت