من آثارها أيضًا: احتقار المخلوق: فعندما يعرف المسلم أسماء الله وصفاته يحتقر المخلوق، ويشعر أن المخلوق لا يساوي شيئًا.
العز بن عبد السلام لما جاء السلطان في يوم العيد وخرج بأبهته وجنوده وكبريائه قام إليه وقال له: الحانة الفلانية يباع فيها الخمر، المكان الفلاني فيه كذا وكذا، قال: هذا من عهد أبي، قال: إذًا أنت ممن قال الله فيهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22] ، فأمر بإزالة هذه المنكرات.
الشاهد معنا: أنه بعد هذا سأله أحد تلامذته، قال: أما خفت السلطان لما رأيته؟ قال: تذكرت عظمة الله عز وجل، فصار السلطان أمامي كالنملة.
ولاحظ أثر هذا الأمر عند هود عليه السلام، حينما عاداه قومه: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود:53 - 54] أحس هود أن هؤلاء القوم لا يعرفون إلا منطق التحدي، ولا يعرفون منطق الحوار ولا ينفع فيهم هذا الأسلوب: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} [هود:54 - 55] ، يقول لقومه وهم عاد: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [الفجر:7 - 8] ، يقول لهم: (( فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ ) )، كيدوني كلكم ولا تمهلون، وافعلوا ما بدا لكم: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود:56] .
والذي جعل هودًا يسلك سبيل التحدي والمواجهة حتى يقولها أمام قومه صريحة: كيدوني وتآمروا علي واصنعوا ما بدا لكم لأنه يعلم أن ما من دابة إلا ربه آخذ بناصيتها.
المسلم عندما يتصور أن نواصي العباد بيد الله عز وجل، وأن قلبه بيد الله عز وجل الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، حينها يشعر أن المخلوق لا يساوي شيئًا، فيحتقر المخلوق، ولا يمكن أن يتوجه إلى المخلوق، ولا أن يرجو منه نفعًا ولا نوالًا ولا عطاء ولا حفظًا، ولا يمكن أن يرهبه أو يخافه.