إن من هذه الصور أن تحكمنا العاطفة في الحكم والتقويم، فحين نحكم على فلان من الناس سلبًا أو إيجابًا، وحين نحكم على عمل من الأعمال، أو على جهد من الجهود، وخاصة الجهود والأعمال الإصلاحية والأعمال الإسلامية، حين نحكم عليها، وحين نقوم الناس، لا يسوغ أن نندفع وراء عواطفنا، فنفرط في المدح والثناء، ونحلق في أجوائها بعيدًا عن الرؤية الأخرى إلى جوانب القصور وجوانب الخلل، وحين نقوم أعمالنا وجهودنا فلا يسوغ أن تكون العاطفة هي المعيار والحكم، ومن في حكمه لابد أن يكون شخصية متطرفة، إما ثناءً أو ذمًا، وإما سلبًا أو إيجابًا؟ كثيرة هي الأحكام -معشر الإخوة الكرام- التي نطلقها من وحي العاطفة فقط، ففي أحكامنا ومواقفنا من الرجال ومواقفهم ما يكون فيه الحاكم الأول والأخير والقاضي والشهود والمدعي هو العاطفة وحدها، وحينئذٍ لابد أن يكون الحكم حكمًا جائرًا، حكمًا بعيدًا عن العدل.
إننا مع تأكيدنا على أن الثناء على من يحسن أمر مطلوب، وأن الإعجاب بمن يستحق الإعجاب أمر لا يدعى إلى إلغائه والتخلي عنه، لكننا مع ذلك لا يسوغ أن نفرط، ولا يسوغ أن تحكمنا العاطفة وحدها في ذلك، وكثيرًا ما تتحكم العاطفة في تقويم مواقف كثيرة من مواقف العمل الإسلامي، فتقود إلى نتائج مؤلمة.
أضرب لكم مثالًا: تجربة عشناها كنا أغرقنا فيها، وتجاوبنا فيها مع العاطفة أكثر مما ينبغي، تجربة الجهاد الأفغاني، لقد بدأ هذا الجهاد وقد نسيت الأمة الجهاد كله، بدأ وقد ضرب على الأمة الذل والهوان، وظنت الأمة أنها لن تعرف الجهاد، ولن ترى الجهاد، وصار الذين يدرسون الفقه يقفز بعضهم من باب الجهاد؛ لأنه لم يعد له مجال وميدان.
فجاء أولئك وأحيوا سنة قد أميتت، وفريضة قد نسيتها الأمة، وحينئذٍ استفاقت الأمة، استفاقوا على هذا الصوت، واستفاقوا على داعي الجهاد، وصدموا بأولئك الذين خرجوا في تلك البلاد، وقاموا لله عز جل، وأحيوا الجهاد في سبيل الله، وكان جهادًا حقًا ولا شك، وقام بدور في إحياء الأمة ولا شك، لا يسوغ أبدًا أن يطوى، ولا يسوغ أن يهمل.
لكن الذي حصل أننا أغرقنا كثيرًا في العاطفة، لقد بدأ الجهاد وفيه أخطاء، وذلك شأن البشر، وفيه انحرافات، وذلك شأن البشر، وفيه خلافات، وذلك شأن جهود البشر، فما بالكم بهذا الواقع التي تعيشه الأمة؟! وما الجهاد الأفغاني، وما الأعمال الإسلامية كلها إلا إفراز لواقع الأمة التي تعيشه.
وبدأ الجهاد وفيه ما فيه من خطأ وخلل وفرقة وانحراف، وفي الصف منافقون، ومع ذلك كله كان جهادًا شرعيًا، كان جهادًا يستحق الدعم من الأمة، وأن تقف في صفه، لكن الذي حصل أننا أغرقنا في العاطفة، فرفعنا منزلة أولئك إلى منزلة قريبة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة.
وصرنا نفرط في الحديث عن الكرامات، ونستدل بها، ما كان منها صحيحًا، وما كان منها لا يقبله عقل ولا منطق، بل ما كان منها من رواية أهل الخرافة الذين اعتدنا منهم على هذه الأباطيل، وصرنا نتهم من يشكك في شيء منها، صرنا نتهم من يتحدث عن أخطاء الجهاد، وعن أخطاء المجاهدين، ومن يطالب بتنقية الصف، صرنا نتهمه بأنه مخذل.
وصار هذا الإرهاب الفكري يمارس ضد أي صوت ناصح، يطالب مع البداية حين بدأ الجهاد بتنقية الصف، بتصحيح النية، يطالب بإذابة الخلافات، يطالب بمراجعة المنهج، فكنا دائمًا نسمع التستر على الأخطاء، ودفن العوج، وكنا نتجاوب في عاطفة جياشة، ونتصور أن ذكر الأخطاء والحديث عنها لا ينفع ولا يحقق المصلحة، ويجعل الأمة لا تتجاوب مع هذا الجهاد.
وطال عمر الجهاد، وجاء وقت قطف الثمر، وما الذي حصل؟ وماذا كان موقف الناس؟ إن موقفنا لا يزال؛ ما زلنا غير آسفين على دينار واحد قدمناه للمجاهدين، وما زلنا غير آسفين على كلمة قلناها في دعمهم؛ لأنا نرى أنها كلمة حق، ولم نغير مواقفنا، لكننا نرى أننا نحن السبب في هذا الخطأ؛ حيث كنا نتجاوب مع العاطفة كثيرًا، ونرفض الموضوعية، ولهذا أوقدت عاطفة في نفوسنا لم نستطع أن نضبطها ونحكمها فيما بعد، حتى وصلنا إلى هذه المرحلة التي يدمينا جميعًا ويؤلمنا أن نسمع فيها تصريح الزعيم الروسي السابق جورباتشوف حيث يقول: لو علمنا أن الأفغان سيصنعون ما صنعوا لسلمناهم كابل منذ زمن بعيد.
كم يدرك قلبك المأساة؟ فالسلاح الذي كان وراءه أموال المسلمين ترى حامليه الذين صعدوا على جماجم الشهداء من كل بقاع المسلمين، ترى أحدهم يوجه السلاح والرصاص لأخيه، وأيًا كان الموقف لا عذر بعد ذلك.
إنني هنا لست بصدد تقويم هذا العمل، وهذا الجهاد، وهو مع ذلك لا يزال مفخرة من مفاخر الأمة، وإنجازًا من إنجازاتها، لكن الشاهد هنا أننا في تعاملنا مع هذا الحدث كنا نتجاوب كثيرًا مع العاطفة، وكنا نمارس الإرهاب الفكري، ونمارس التثبيط ضد أي صوت ناصح يدعو إلى تنقية الصف، يدعو إلى تصحيح المسيرة.
وأخشى أيضًا أن يتكرر الخطأ نفسه، وها نحن الآن نشهد الصحوة المباركة، مع ما فيها من إنجازات، فهي فيها أمراض بحاجة إلى علاج، بحاجة إلى مراجعة، بحاجة إلى مصارحة، بحاج