الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيسعدني ويشرفني أيها الإخوة والأخوات! أن أتحدث أمامكم وبين أيديكم، وكم أتمنى أن يكون هذا اللقاء مباشرًا والحديث كفاحًا، لكن إذ لم يتيسر اللقاء المباشر فلا أقل من أن يكون مثل هذا الحديث، وإن كان لا يفي برغبتي وتطلعي، وأحسب أنكم كذلك.
إخواني وأخواتي: إن التربية في كل المجتمعات لها مشاكلها، والتربية قضية شائكة؛ إنها تعامل مع الإنسان، ذلك الكائن المعقد، إنك حين تتعامل مع كائن مادي يمكن أن تدخله المختبر، ويمكن أن تجري عليه تجربة، ويمكن أن تتحكم في متغيراته، لإنك تتعامل مع متغيرات واضحة ومحددة، وإذا جهلت جانبًا منها فبإمكانك أن تتعلمه، وبإمكانك أن تجرب، وأما الإنسان فهو كائن آخر يختلف عن سائر الكائنات، إنه كائن تؤثر فيه متغيرات عدة يصعب أن تستنبطها أو تحصرها.
إن هذه المتغيرات تتفاعل مع بعضها، فيولد هذا المتغير تأثيرًا، والآخر من طرف آخر تأثيرًا مناقضًا، والثالث كذلك، وتفاعل هذا المتغير مع الآخر يولد تأثيرًا آخر؛ بل إن الموقف والتجربة يصعب استنساخها ويصعب تعميمها، فالذي يلائم زيدًا لا يلائم عمرًا، والذي يصلح مع ابنك الأكبر قد لا يصلح مع الآخر، والذي يؤثر إيجابًا في موقف قد يؤثر سلبًا في موقف آخر، بل إن الشخص نفسه قد يكون هذا الأسلوب مؤثرًا عليه في موقف، وفي الموقف الآخر قد يؤدي تأثيرًا من نوع آخر، وهو أمر نشهده في حياتنا، ونشهده مع أولادنا وبناتنا.
إننا أمام كائن معقد تتداخل فيه العوامل والمؤثرات، أمام كائن تحكمه نفسية صعبة معقدة، الإنسان نفسه يصعب عليه أن يفهمها فضلًا عن أن يفهمها الآخرون.
إننا إخواني وأخواتي مهما أوتينا من خبرة وتجربة، فإننا لا يمكن أن نصل إلى حد اليقين بتأثير تربيتنا وجهدنا، لكن حسبنا أن نبذل الجهد وأن نبذل ما نستطيع، وحسبنا أن نجتهد، والاجتهاد -إخواني وأخواتي- ليس في مجرد الدافع وحده، ليس في مجرد أن ننصح فقط، وأن نأمر وأن ننهى، لا، بل الاجتهاد يتطلب منا أن نبحث عن الوسائل التربوية المؤثرة الناجحة، ويتطلب منا أن نرتقي بخبراتنا ومعارفنا ومهاراتنا التربوية، ويتطلب منا أن نبحث عن حلول لمشكلاتنا.
إن الله عز وجل أمرنا أن نتقيه ما استطعنا، وهذا من تقوى الله تبارك وتعالى ما استطعنا، فلئن كانت التربية -إخواني وأخواتي- مسألة صعبة ومعقدة، فهي في ظل الظروف التي تعيشون فيها أكثر صعوبة، وأكثر تعقيدًا، وأكثر معاناة.
فيجب أن نضع في ذهننا بادئ ذي بدء أننا نعيش في وضع غير طبيعي، فأنتم تربون أولادكم على قيم تخالف قيم المجتمع، وتسمعونهم غير ما يسمعهم المجتمع، وتأمرونهم بخلاف ما يأمرهم به المجتمع، إنكم تسيرون في اتجاه والمجتمع في اتجاه آخر؛ فأنتم تسيرون ضد التيار.
فيجب أن نعي -إخواني وأخواتي- أنه يصعب أن نقضي على المشكلة نهائيًا، ولا أعتقد أن هناك حلولًا يمكن أن تنقلنا إلى بر الأمان، وأن تجعل قضية التربية قضية محسومة مضمونة النتائج، لئن كان هذا الأمر صعبًا على أولئك الذين يعيشون في بلاد الإسلام، فالذين يعيشون مثلكم الأمر لديهم أصعب.
فلا بد أن نستوعب طبيعة المعاناة التي نعيشها، وهذا يدعونا إلى ألا نكون مثاليين، وهذا يدعونا إلى ألا نعلق على جهدنا البشري كل شيء، فما نقوله وما نعمله وما نسعى إليه في تربيتنا لأولادنا ونحن في هذه البلاد غاية ما فيه أننا نبذل جهدًا، ونبذل سببًا، والتوفيق بيد الله تبارك وتعالى.