الخطأ الثاني: اعتبار واقع مجتمع من المجتمعات مقياسًا للمنهج.
قد يمتاز مجتمع من المجتمعات بأنه مجتمع محافظ أو أكثر محافظة وأبعد عن الانحراف والبدعة والخلل من سائر مجتمعات المسلمين، فيصبح المجتمع الرائد في عصره وزمانه، وهذا قد يدفع البعض من الناس لأن يجعلوا واقع هذا المجتمع هو المقياس وهو المعيار لسلامة المنهج، فكل رأي طارئ أو وافد أو جديد على هذا المجتمع يعتبر انحرافًا عن المنهج، ويعتبر مما لم نسمع به، وكوننا لم نسمع به دليل على أنه منهج منحرف، ألسنا نسمع كثيرًا الطعن في بعض الآراء بحجة أنها آراء وافدة، وبأنها آراء جديدة، وبأنها آراء لم نسمع بها؟ إنا نطرح السؤال نفسه مرة أخرى: هل هناك مجتمع ما تكون الأمة متعبدة بما اتفق عليه هذا المجتمع؟ إن هذا المصطلح لا يعرف عند أهل العلم إلا فيما يسمى: (عمل أهل المدينة) وهي مرحلة قد مضت، ومسألة طال فيها الجدل والخلاف بين علماء الأصول، أما غيرها من المجتمعات والأزمنة والعصور فإنه لا يوجد من ينطق باسم الإسلام، ولا من يعتبر واقعه هو الواقع الذي يمثل الإسلام، وكل ما عداه وكل ما خالفه منحرف وزائغ وضال.
نعم قد يكون مجتمع من المجتمعات أكثر انضباطًا، وقد يكون الانحراف وتكون البدعة فيه أقل من غيره، ويكون في الجملة أسلم من غيره، لكن هذا لا يعني أن يكون كل طارئ وكل جديد على هذا المجتمع مرفوضًا وانحرافًا، وأن يكون كل ما ألفه هذا المجتمع أو ذاك منهجًا صحيحًا وسليمًا، إن المناط والحجة إنما هي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
إن الرأي الوافد والرأي الجديد والمنهج الذي لم يألفه المجتمع، ينبغي أن يعرض على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى منهج سلف الأمة، فإن وافق فحيا هلًا وأهلًا وسهلًا به، وإن خالف فهو مرفوض لا لأنه وافد، ولا لأنه طارئ على هذا المجتمع؛ لكن لأنه قد خالف الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة، فينبغي أن يكون المعيار والميزان في ذلك إنما هو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهج سلف الأمة، وإلا أصبحنا عافانا الله وإياكم من أولئك الذين يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22] .