الصفة الرابعة -وهي صفة مهمة، وقد أتوقف عندها قليلًا-: أن يكون حسن الإعطاء: أي: أن يقدم ما نبغي وما لديه بالصورة المناسبة، فالقضية -أيها الإخوة- ليست أن يملك الإنسان شيئًا، ولا أن يستطيع أن يقدم هذا الشيء، بل أن يقدمه بالصورة المناسبة للناس.
وهي قضية مهمة -أيها الإخوة- نفتقدها كثيرًا في تربيتنا، حيث نشعر أحيانًا بأننا أدينا المسئولية وقمنا بالواجب حين نقول كلمة، أو ننهى عن خطأ، أو نصحح سلوكًا ونخطئ آخر، وننسى أننا لم نقدم هذا الأمر بالصورة المناسبة اللائقة بالناس.
إن هناك -أيها الإخوة- فرقًا كبيرًا بين كلمة يقولها الإنسان بلغة، وبين كلمة يقولها بلغة أخرى، وبين كلمة يقولها بلغة ثالثة، وإن كانت تؤدي المعنى نفسه.
ولنضرب على ذلك مثالًا: فلو شعرنا -مثلًا- أن التكييف في هذا المسجد مزعج، ودرجة البرودة لا نتحملها، فقد أشير على واحد منكم بعينه وأقول له: قم فأطفئ جهاز التكييف.
وقد أؤدي هذه الكلمة بلغة أخرى، فأقول: من يتبرع منكم فيقوم فيؤدي هذا العمل؟ وقد أقوله بلغة ثالثة، فأقول: إنني أشعر بأن الجو بارد جدًا، ألا تشاركونني هذا الشعور؟! إن هذه الكلمات تؤدي معنى واحد، وتؤدي رسالة واحدة أريد أن أوصلها إليكم، لكن هناك فرق بين الأمر المباشر في الصورة الأولى، وبين الصورة الثانية، وبين الصورة الثالثة.
ولم يكن المربي الأول -صلى الله عليه وسلم- بعيدًا عن هذا المنهج، وهو الذي اختاره الله تبارك وتعالى لهذه الرسالة، واختاره لا لتربية أصحابه فحسب، بل لتربية الأمة والمربين كلهم، فقد كان عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلان يستبان، يسب أحدهما الآخر، فغضب أحدهما واحمر وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم موجهًا الخطاب لأصحابه -كأن الأمر لا يعني هذا الرجل-: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) .
انظر إلى الفرق بين هذه الكلمة التي يقولها النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبًا لأصحابه، وبين ما لو قال له النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبًا له وهو في هذه الحالة: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والنتيجة واحدة والمؤدى واحد، ولكن هناك فرق بين هذا الأسلوب وبين ذاك الأسلوب.
وحينما يجد الأب ولده قد تأخر عن الصلاة؛ قد يعاتبه بكلمات لاذعة قاسية، فيقول له: إنك لا تهتم بالصلاة، ولا تقيم لها وزنًا، وقد يخاطبه بلغة أخرى، فيخاطبه بلغة الأمر فيقول له: اذهب إلى الصلاة منتهرًا إياه، وقد يخاطبه بلغة ثالثة ومنطق ثالث، فيأخذ بيده فيقول: لنذهب سويًا إلى المسجد لنصلي.
وهناك فرق -أيها الإخوة- بين هذه الصور، فلماذا نتصور أن أداءنا لأمر أو نهي على أي صورة كان، وأن إبلاغنا لقضية بأي صورة كانت وبأي شكل كان، لماذا نتصور أن هذا الأمر كاف، وأن هذا الأمر مسقط للمسئولية عنا؟! إنك حين تشعر -مثلًا- أن ابنك يعاني، فلا يستيقظ للصلاة إلا بصعوبة؛ قد تعاتبه، وقد تقول له: إن عملك من عمل المنافقين، وقد تقول له كلمة أخرى، لكنك لو أهديت له ساعة لتوقظه، أو اتفقت معه على أن تذهبا جميعًا إلى المسجد، أو أيقظته بأسلوب أو بآخر؛ فإن هذا الأمر وهذا الأسلوب يترك أثرًا في نفسه أعظم بكثير من ذاك الأمر المباشر أو النهي المباشر.
قد أقول لابني: لا تصاحب فلانًا وفلانًا من الناس، وقد أقول كلمة مناسبة في موقف معين، ولكنني حين أقول له: إنه ينبغي أن تحسن اختيار من تصادق، وإنني اقترح عليك أن تعيد النظر، وأن تفكر في واقع أصدقائك، أو أن اثني على فلان من الناس، فأقول: إنه يعجبني سلوك فلان، وخلق فلان، وأتمنى أن يكون صديقًا لك، وأتمنى أن يكون أخًا لك، حين أقول ذلك أوجد لمقالي أثرًا في نفسه.
فهناك فرق بين هذا الأسلوب وبين ذاك الأسلوب حينما نصدر أمرًا، وحينما نعالج خطأً، وحينما نوجه توجيهًا، هناك فرق -أيها الأخوة- بين أسلوب وأسلوب آخر، ومن ثم كنا بحاجة إلى حسن العطاء فعلًا، وبحاجة إلى نفكر كثيرًا كيف ننقل ما لدينا إلى الآخرين؟ وكيف نصلح أخطاء الآخرين؟ وكيف نأمرهم؟ وكيف ننهاهم؟ وكيف نوجههم؟ بل إن الكلمة الواحدة أحيانًا يختلف وقعها وأثرها، فقد يسألك رجل سؤالًا، فتقول له: (نعم) بلهجة فيها التهديد أحيانًا، وقد تقولها وهي توحي بعدم المبالاة، وقد تقولها وهي توحي بعدم التصديق، وقد تقولها وهي توحي بالترحيب.
وحينما يصنع لك رجل معروفًا، فتقول له: جزاك الله خيرًا، قد تقولها كلمة عاجلة أحيانًا كما يعتادها الناس، وقد تقولها بشعور ينبئ عن الاهتمام، وقد تقولها أيضًا بما هو أكثر من ذلك، والكلمة هي هي، فقسمات الوجه، ووقع الكلمة، والصوت، وجرس الكلمة، كل هذه لها آثار، فتعطي هذه الكلمة أثرًا لا تعطيه تلك الأخرى، وإن كانت هي هي بحروفها، ولكن قسمات الوجه، وجرس الكلمة، والصوت، كلها تترك آثارًا غير ما تتركه تلك الأخرى.
لهذا كان علينا أن نفكر كثيرًا كيف نوصل ما عندنا لمن نربيهم، وألا تكون القضية مجرد أن نقول كلمة أيًا كانت، بأي وسيلة، وبأي لغة، ونتصور حينئذٍ أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة، وأ