السبب الرابع: إهمال الظروف المتعلقة بالشخص: فبعض الناس حاد الطبع، ولهذا قد يقول كلامًا لا يعبر عن حقيقة ما في نفسه، ما في قلبه يخرج على لسانه، وقد يغضب فيغلظ عليك الكلام، وحتى كأن الأرض لن تحملك بعد ذلك، وليس في قلبه أي شيء.
أنا أذكر أستاذًا لنا لا أدري ما أخباره غفر الله له وجزاه عنا خيرًا، وهو رجل فاضل، لكن كان شديد الغضب بشكل عجيب، وأحيانًا يغضب عليك حتى تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتتخيل أنه سيهم بالبطش بك، وفي نفس المحاضرة تخرج معه وتسلم عليه، فيحدثك ويبتسم لك، وما في القلب أي شيء، وتذهب أنت وهو إلى القسم وليس في قلبه أي شيء إطلاقًا.
نحن ما عندنا مشكلة عندما يتكلم معنا، وعندما يقول لنا هذا الكلام، لأننا نعرف أن طبيعة الشخص حادة، والإنسان الحاد يقول كلامًا غير مدروس ولا موزون، فطبيعته أنه يتعجل، ويغضب، والمهم أننا يجب أن نعرف شخصيته؛ حتى نزن كلامه.
الشخص الآخر: إنسان بارد، وهادئ الانفعال، هذا الآخر أيضًا قد يكون في خاطره شيء، لكنه لن يقوله لي؛ لأن الرجل غير صريح، فطبائع الناس تختلف.
وهنا لا بد أن أضع في الذهن أن طبيعة الشخص نفسه تؤثر على كلامه، وعلى حديثه، وعلى أعماله، وعلى قراراته، وعلى مواقفه، وعلى نظراته، فالحكم المتزن هو الذي يأخذ في الذهن طبيعة الشخص.
أيضًا ظروف الزمان والمكان: فمثلًا قد يقول كلامًا في مكان معين فيه ملابسات معينة، وفيه أوضاع معينة، فيدعوه إلى أن يتحمس لهذه القضية أكثر، أو العكس، فقد يتجنب بعض الأمور مراعاة لعامل المكان، أو عامل زمان معين.
المهم أنه يجب ألا تأخذ الكلام مجردًا عن هذه الظروف التي قد تؤثر على كلام الرجل، وعلى ما يريده.
كذلك نقطة ثالثة وهي الموضوع الذي يتحدث عنه، فمثلًا: الآن أنا لو أتحدث معكم عن القراءة، وأهمية القراءة لطالب العلم، فسأتحدث بالتفصيل عن أهمية القراءة، وأنك يجب أن تقضي وقتًا طويلًا في القراءة، وسيدور الكلام كله حول هذا الموضوع.
أنا أجزم أنه في نهاية المحاضرة سيأتيني سؤال يقول: نفهم من كلامك أنك تقلل من شأن مجالس العلم، وماذا عن دروس العلماء؟ يا أخي! أنا لا أتكلم عن منهج طالب العلم، أنا أتكلم عن موضوع معين.
مثلًا: عندما أتحدث عن الدعوة إلى الله، وأهمية الدعوة، والحاجة إليها، وأحث الناس عليها، ويجب أن نوظف طاقاتنا وجهدنا في الدعوة، إلى غير ذلك.
أجزم أنه سيأتيني سؤال آخر، هذا السؤال الذي يأتيني عبر عن فهمه، لكن يوجد ناس ما عبروا عن فهمهم، وهو أن معنى المحاضرة أنك تقلل من العلم الشرعي.
أنا لم أتحدث الآن عما يجب على الشاب أن يعمله، ولم أتحدث عما يجب على المسلم، فأنا أتحدث عن موضوع وعن جزئية من الجزئيات.
عندما أتحدث مثلًا عن أهمية طلب العلم والحرص عليه، فيأتيني شخص آخر يقول: أين الحقوق الخاصة للإنسان؟ هل نفهم من كلامك أن الإنسان يعطل مصالح أهله لأجل طلب العلم؟ ونفهم من كلامك أن الإنسان يترك الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليتفرغ للعلم؟ إلى غير ذلك.
قد أتكلم عن أهمية رعاية الموهوبين والتركيز عليهم، وأن الطلبة الأذكياء الذي يجب أن نعتني بهم، وننظم لهم برامج خاصة، وأتكلم كل كلامي حول الموضوع هذا، فيمكن أن يأتيني سؤال يقول: وهل يعني هذا أن الناس الذين هم أقل كفاءة غير مكلفين شرعًا؟ وهل يعني أن الدعوة خاصة بهؤلاء، فالإسلام عام للجميع، والدعوة عامة للجميع؟ يا أخي أنا لم أتكلم عن الدعوة أصلًا، أنا أتكلم عن جزئية وعن قضية من القضايا، فيجب أن تفهم بالضبط ما أريد، وهذه كثيرًا ما نقع فيها.
ومن الطبيعي أن الذي يتكلم عن موضع يبالغ فيه نوعًا ما.
فمثلًا: نفترض أنني أتحدث عن موضوع رعاية الموهوبين، والعناية بالأذكياء، والحرص على استصلاحهم وتربيتهم، فأنا أنزل بثقلي حول هذا الموضوع؛ لأجل أن أقنعكم بالقضية.
فقد يكون عندي مبالغة في الألفاظ، وقد أعطي الموضوع زخمًا؛ لأجل أن أقنعك به؛ لكن عندما أجلس معك ونتناقش بهدوء، أقول لك: أنا لا أقصد هذا، ولا أريد هذا، فأنت يجب أن تضع في الذهن أنني أتحدث عن موضوع معين.
إذًا: الحديث عن موضوع معين لا يعني بالضرورة أنني أهمل ما سواه، أو أنني أخطئ ما سواه، ثم أيضًا طبيعي جدًا أن الإنسان الذي يتحدث عن موضوع معين ينزل فيه بزخم، ويتحدث فيه بقوة، وقد يأتي أحيانًا بعبارات فيها مبالغة، أو يأتي بكلام فيه نوع من المبالغة التي لا ينجو منها بشر، فالبشر من الطبيعي أن يقعوا في الخطأ.