ثانيًا: من الإخلال بالعمل لغة النقد التي يحترفها البعض وتملأ مجالسنا، فينتقد الأفراد والجماعات والدعاة والعلماء والكتاب والبرامج والمؤسسات الدعوية نقدًا صارخًا يأتي على الأخضر واليابس، بل ويكون النقد حدثًا يقرأ من أجله، ويسمع له؛ أليس هناك من وظف نفسه لهذه المهمة الدنيئة وتطوع لخدمة أعداء الدين وأعداء الدعوة بالمجان، فقضى سحابة نهاره وأشرف لياليه في الطعن والنقد والتصنيف والإثارة؟! إنك حين تتساءل عن حال هذا الرجل ماذا قدم؟ هل هدى الله عز وجل على يديه شابًا ضالًا، أو أنقذ فتاة من الغواية، أو دعا رجلًا غير مسلم إلى الإسلام، أو أنكر منكرًا ظاهرًا، أو تصدى لتعليم علم؟ لا تكاد تجد رصيدًا يذكر من هذه الأعمال.
مساكين أولئك الذين يقضون أوقاتهم في هذه الأحاديث مساكين أولئك الذين أصبح همهم الطعن في الآخرين والنقد والتقويم والتصنيف، فأنت ترى من اشتغل بالعمل لخدمة دين الله عز وجل، طلبًا للعلم، أو تعليمًا ونشرًا له، أو تحفيظًا لكتاب الله عز وجل، أو دعوة إلى الله عز وجل، دعوة للمسلمين المقصرين، دعوة لغير المسلمين، جهد هنا وجهد هناك، فترى هذا التيار المتدفق من هذه الجهود المبذولة، وترى أولئك قد أفلسوا من هذا الرصيد كله، وانشغلوا بالغيبة والنميمة والتصنيف، وهذه أيها الإخوة عقوبة عاجلة لأولئك.
إن أشد عقوبة وأقسى عقوبة يعاقب بها المرء أن يحرم العمل، حين ينشغل الآخرون فيستغلون أوقاتهم بالعمل المنتج والمثمر الذي يكون رصيدًا له عند الله عز وجل.
أيها الإخوة! حين يشغل المرء نفسه بمثل هذه الأعمال فماذا عساه يلقى عند مولاه حين ينطقه فيسأله: ماذا فعلت وأنت ترى المنكرات العامة التي أصبحت تعج بها المجتمعات ماذا فعلت وأنت ترى الأمة تقاد إلى الهاوية وأنت ترى الأعداء قد تآمروا على الإسلام من الشرق والغرب من النصارى واليهود والمنافقون والوثنيون، وقد اتفقت راية العالم كله في هذه الظروف الكئيبة على حرب هذا الدين، وعلى حرب الدعاة إلى الله عز وجل، ومع ذلك تجد من وظف نفسه في أن يقف في صف الأعداء، وأن يقدم لهم الخدمات بالمجان، ويحسب أنه يحسن صنعًا.
إننا لا نرفض مبدأ النقد، ولا نرفض مبدأ الحديث عن الأخطاء، لكن هذا شيء، وما يدور عند واقع البعض شيء آخر، وحتى تدرك سوء هذه الهاوية التي ينحدر إليها هذا الصنف من الناس تأمل في واقعهم وماذا قدموا وماذا عملوا، لا تكاد ترى لهم عملًا ولا تكاد ترى لهم جهدًا، بل تكاد ترى ارتباطًا عكسيًا كما يقول الرياضيون بين العمل الذي يقدمونه وبين اشتغالهم بالنقد والتصنيف والإثارة.
لا أريد الحديث عن هذه القضية لكنها صورة من صور الإخلال بالعمل، وأحيل الإخوة إلى كتاب قيم صدر حديثًا لفضيلة الشيخ بكر أبو زيد بعنوان: تصنيف الناس بين الظن واليقين.